فهو لم يعمل بعض الصالحات .
ثمّ إنّ ظاهر الآية أنّ الأجور مسبّبة عن الإيمان والعمل كليهما ، وحينئذ فهل هي لهما بالاشتراك ، ولكلّ واحد منهما تأثير في شيء منها بالاستقلال ، أو أنّها من آثار الإيمان ، والعمل شرط فيه ، أو أنّها من آثار العمل ، والإيمان شرط ، أو أنّها لهما مع اشتراط الإيمان في تأثير العمل دون العكس ؟ وجوه ، أحسنها الأخير .
إن قلت : إذا تحقّق الإيمان لأحد ، وآمن بما يجب الإذعان به ، ولم يتحقّق منه العمل بالصالحات ، فكيف يكون حاله ؟ وهل هو من أهل الجنّة ، أو من أهل النار ؟
قلت : عدم تحقّق الصالحات من أحد قد يكون بترك بعضها ، كمن ارتكب الصغائر ، أو شيئاً من الكبائر في بعض الأحيان ، وهذا هو الذي وعد اللَّه له المغفرة وإن لم تحصل منه التوبة ، قال تعالى : « إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآلرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنكُمْ سَيَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا » « 1 » ، أي نكفّر سيّئاتكم الصغائر ، وقال : « وَلِلَّهِ مَا فِى السَّموَ تِ وَمَا فِى الْأَرْضِ لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَ حِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَسِعُ الْمَغْفِرَةِ » « 2 » ، « الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ » بدل من « الَّذِينَ أَحْسَنُوا » ، واللمم : العصيان الحادث حيناً بعد حين ، لا على نحو التعاقب والدوام من :
« ألمّ » الشيء إذا نزل ووقع .
وقد يكون بترك الجميع ، فإن فرض إمكان ذلك ووجود مصداق لهذا العنوان مع بقاء الإيمان في قلبه ، أو قلنا بأنّ الأعمال التي تراها صالحة فهي من أغلب الناس باطلة ؛ لعدم اجتماع شرائط الصحّة فيها فضلًا عن القبول ، فالمصداق كثير ، فالظاهر أنّه ليس بكافر ، ولا يكون مخلّداً في النار ، وإن كان قد يتراءى من ظواهر عدّة من الآيات ، بل أكثرها عدم ترتّب أثر على ذلك النحو من الإيمان ؛ لترتّب وعود اللَّه تعالى - من المغفرة والجنّة والرضوان ونعم الآخرة جميعاً في آيات كتابه في أكثر من 55 موضعاً - على الإيمان والأعمال الصالحة كليهما ، إلّاأنّ تلك الآيات مسوقة لبيان
هامش
( 1 ) . النساء ( 4 ) : 31 . .
( 2 ) . النجم ( 53 ) : 31 و 32 . .