الخامسة : الذين عرفوا الحقّ من الأصول والفروع ، فآمنوا بما يجب الإذعان به ، وعملوا بما هو صالح من الأعمال ، وحينئذ نقول : لا إشكال في حكم غير الثانية من تلك الطوائف .
أمّا الأولى فإنّهم غير معذّبين في الآخرة ؛ لعدم وصول التكاليف إليهم وعدم تماميّة الحجّة عليهم ، وما كان اللَّه ليعذّب قوماً حتّى يبيّن لهم ما يتّقون ، « 1 » وقد عرفت أنّ آيات رفع العقاب شاملة لهم ، « 2 » كما أنّ الظاهر أنّهم غير مستحقّين للجنّة ؛ لعدم صدور الأعمال الصالحة منهم على الفرض ، فلا عمل لهم فلا اجرة ، ولا سعى لهم في الخيرات فلا ثواب .
وأمّا الطائفة الثالثة فقد دلّت الأدلّة السمعية على أنّ الجاهل الملتفت في أصول الدين مقصّر غير معذور إذا لم يفحص عن الحقّ ، ففات عنه الواجب الأصولي ؛ لعدم فحصه وبحثه ، فإنّ باب العلم في أصول الدين مفتوح ، ومن أراد الوصول إليها وسعى لها سعيها فهو مدرك لطلبته وظافر على منيته ، فالتارك كافر ، يترتّب عليه جميع ما يترتّب على القسم الرابع ممّا سنذكره ؛ قال تعالى : « إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّلئهُمُ الْمَلئكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُوا فيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الْأَرْضِ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْللئكَ مَأْوَلهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيرًا » « 3 » .
وقوله : « فِيمَ كُنْتُمْ » ، أي في أي أمر كنتم من أصول دينكم وفروعها ؟ و « كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ » ، أي عاجزين عن أخذ معالم الدين ، قاصرين عن الوصول إليها ، وتوبيخ الملائكة لهم دالّ على قدرتهم على الهجرة وتعلّم الدين ، كما يشهد به أيضاً الاستثناء الوارد في الآية التالية .
وأمّا الطائفة الرابعة فهم الكفّار حقيقة ، وتنطبق عليهم جميع الآيات الواردة في حقّ الكفّار الدالّة على حبط أعمالهم وعذابهم في الدنيا والآخرة وسوء حالهم في القيامة ودخولهم النار .
وأمّا الطائفة الخامسة فهم المؤمنون حقّاً ، وعليهم تنطبق الآيات الواردة في حقّ
هامش
( 1 ) . اقتباس من قول تعالى : « وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إذْ هَداهُمْ حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍعَليمٌ » . التوبة ( 9 ) : 115 . .
( 2 ) . عرفته قبيل هذا . .
( 3 ) . النساء ( 4 ) : 97 . .