ويتوجّه في المقام سؤال ، وهو أنّ الآية الشريفة مصرّحة بأنّ الكفر سبب لاستحقاق العذاب ، كما أنّ الإيمان والإتيان بالأعمال الصالحة سبب لاستحقاق الأجر ، لكنّ الآية مبهمة من حيث متعلّق الكفر والإيمان ، وكذا في تعيين مصاديق « الصالحات » ، والحكم مترتّب على الواقع ، ومقتضى ذلك إحالة تشخيصه على المكلّف ، وله في ذلك طريقان : إحداهما الأدلّة النقلية السمعية من الكتاب والسنّة ، والأخرى حكم العقل الباتّ وقضاؤه الجازم .
فمن تتبّع الأدلّة النقلية ، فوصل إلى ما يجب الإذعان به من العقائد وما يلزم العمل به من الحسنات ، فآمن وعمل ، ترتّب عليه توفية الأجور ، وأمّا من لم تبلغ إليه أحكام الدين ، وكان في أمكنة تقصر أيدي ساكنها عن أن تناول معارفها الدينية ، فهو قد خلّي وعقله ، وتُرك وما حكم به لبّه ، فإن قدر على إدراك المعارف الاعتقادية ، واستقلّ بذلك عقله ، أو استقلّ بحسن بعض الأعمال وقبحها ، فآمن بما أحرز لزومه ، وعمل بما أدرك حسنه ، فإن أصاب الواقع بالنسبة إلى جميع العقائد والأعمال الصالحة ، استحقّ الأجر والثواب ؛ لتمام الحجّة عليه ؛ فإنّ العقل رسول باطني كما أنّ الرسول عقل خارجي ، لكنّ هذا فرض غير واقع ، والذي يكثر وقوعه في من لم يصل إليه الدين ، هو استقلال عقله في بعض المعتقدات وشيء من الأعمال .
وحينئذ فهل يمكن القول بشمول الآية له واستحقاقه الأجر في ما إذا اعتقد بما علم ، وعمل بما أدرك ، ومعذوريته في ما لم يصل إليه بتقريب أنّ معنى الآية أنّ الإيمان والعمل الصالح بأيّ مقدار كان ، سبب الأجر بذلك القدر الظاهر عدمه ؛ لظهور الآيتين في أنّ متعلّق الإيمان والكفر هو جميع ما يجب الإذعان به ، فالمعنى أنّ الكافر بالجميع معذّب ، والمؤمن بالجميع مأجور ، ولا نظر للآية إلى صورة التبعيض ؟
نعم يمكن أن يقال بالنسبة إلى الفرد المذكور ومن يضاهيه من أهل الملل والأديان المنسوخة من أهل الكتابين وغيرهم ، إذا كانوا قاصرين عن الوصول إلى المعارف الحقّة والدين الذي يجب عليهم التديّن به : إنّهم بالنظر إلى ما أخطأوا فيه من
تفسير مبسوط — صفحة 170
مساهمون: الشيخ علي المشكيني
ص١٧٠