« إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصلِحتِ أُوْلئكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ » « 1 » ؛ « وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِى وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى » « 2 » ؛ « وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِى جَنَّتَانِ » « 3 » .
ان قلت : مقتضى هذا التقريب شمول غفران اللَّه تعالى لجميع الكفّار - على تشتّت فرقهم وأحزابهم - وعدم عذابهم في الآخرة ، بل ودخولهم الجنّة ؛ فإنّها المصداق الحقيقي للجزاء الأوفى وللأجر الكريم ، وهذا ما ينافي ما هو ضروريّ عند المسلمين من عدم دخول الكفّار الجنّة ، وقد رُتّب في الكتاب الكريم على الكفّار أحكام كثيرة ، منها حبط جميع أعمالهم وحسناتهم في الدنيا والآخرة ، ومنها دخولهم النار في الأخرى .
قلت : ينبغي تعيين مورد البحث وتشخيص موضوعه حتّى يظهر ورود الإشكال المذكور وعدمه ، فنقول : هاهنا طوائف من الناس :
الأولى : الجهلاء القاصرون بحيث لم يصلوا إلى شيء من العقائد الحقّة ، ولم يدركوا شيئاً من الأعمال الصالحة ، كالأناسيّ الساكنين في بعض نواحي البلاد الشيوعية ، والطبيعيّين لم يسمعوا شيئاً من الدين ، ولم ينتبهوا لحكم من الأصول والفروع ، ثمّ ماتوا على تلك الحالة .
الثانية : الذين أدركوا بعض العقائد الأصولية بطريق السمع أو العقل ، وآمنوا بذلك ، وانقادوا له ، وعملوا ببعض الأعمال الصالحة كذلك ، وتركوا بعضاً آخر من الأصول والفروع من غير تقصير في ما تركوه ؛ لغفلتهم عنه محضاً ، أو قطعهم بالخلاف .
الثالثة : الذين لم يعتقدوا بالأصول الحقّة كلًاّ أو بعضاً بأنّ تنبّهوا والتفتوا بها ، ثمّ أعرضوا ، ولم يؤمنوا مسامحة وتساهلًا مع الشكّ في كونها حقّاً .
الرابعة : الفرض السابق بعينه مع كون إعراضهم بعد الالتفات وقيام الحجّة تكذيباً وعناداً .
هامش
( 1 ) . هود ( 11 ) : 11 . .
( 2 ) . النازعات ( 79 ) : 40 و 41 . .
( 3 ) . الرحمن ( 55 ) : 46 . .