« وَكَأَيّن مّن نَّبِىّ قتَلَ مَعَهُو رِبّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصبِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّآ أَن قَالُواْ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَاوَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكفِرِينَ فَاتَلئهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْأَخِرَةِ » « 1 » .
ولا دلالة في قوله : « وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ » ، أو قوله : « فَاتَلئهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا » على غلبتهم في القتال ؛ إذ المراد الضعف في الإيمان والإرادة ، والاستكانة هي الجزع والتضرّع ، ولم يقع ذلك منهم وإن غلبوا ، وثواب الدنيا أعمّ من الغلبة في القتال .
هذا كلّه في حال الأنبياء الماضين ، وأمّا نبيّنا الأعظم محمّد بن عبداللَّه فهو قد غزا غزوات ، وقاتل مع الكفّار مرّات كثيرة ، ومعه المؤمنون المجاهدون الباذلون أنفسهم وأموالهم في سبيل اللَّه ، وكثيراً ما كانوا غالبين ظافرين وإن كان يتفّق أنّهم يغلبون ، فهو الرجل الإلهي الفريد والنبيّ العظيم العزيز ، رزقه اللَّه الغلبة في الحجّة والبرهان ، والغلبة في الجهاد والغزو ، والغلبة بالحكومة وتولّي الأمر ، دون الغلبة بإهلاك عدوّه بخسف وصاعقة ونحو ذلك ، وغزا عليّ عليه السلام بعده على تأويل الكتاب كما غزا معه على تنزيله ، « 2 » فكان يغلب كما في قتاله مع الناكثين والمارقين ، وكان يغلب كما في قتاله مع القاسطين ، والحسن عليه السلام قد تهيّأ للغزو ، والحسين عليه السلام قد غزا ، وفيهما كانت الغلبة الظاهرية مع أعداء اللَّه دون أوليائه .
فتحصّل أنّ غلبة حزب اللَّه من الأوّلين والآخرين تقع على معان ، وهي على بعضها دائمية ، وعلى بعضها الآخر نادرة أو قليلة ، فيكون مفاد قوله تعالى :
« وَجاعِلُ الَّذينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذينَ كَفَرُوا » « 3 » ، وما يشابهها من الآيات ، كقوله تعالى : « وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا » ، « 4 »
هامش
( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 146 - 148 . .
( 2 ) . إشارة إلى قول رسول اللَّه صلى الله عليه وآله :
« إنّ منكم من يقاتل بعدي على التأويل كما قاتلت على التنزيل »
، فسئلعنه صلى الله عليه وآله : من هو ؟ فقال : « خاصف النعل » ؛ يعني أمير المؤمنين عليه السلام . راجع : الكافي ، ج 5 ، ص 12 ، باب وجوه الجهاد ، ح 2 . .
( 3 ) . آل عمران ( 3 ) : 55 . .
( 4 ) . النساء ( 4 ) : 141 . .