بدين واحد ، والكافرون المخالفون لهم ولدينهم ، وقد حكم اللَّه في الآيات المبحوث عنها عن الطائفة الأولى بأنّهم غالبون ظافرون ، ويلازم ذلك كون الثانية مغلوبين مظفورين ، وحكم أيضاً على الثانية بأنّه يعذّبهم عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة ، وعلى الأولى بأنّه يوفّيهم أجورهم .
وحينئذ يتوجّه هنا سؤال ، [ وهو ] « 1 » أنّه ما المراد بغلبة الطائفة الأولى على الثانية إلى يوم القيامة ، الظاهرة في كونها أمراً ثابتاً لهم من أوّل الأمر وسنّة إلهية مستمرّة غير متبدّلة ؟ فهل المراد بها هو الغلبة من حيث الحجّة والبرهان والسلطان عند المجادلة والمحاجّة ؟ أو المراد هو الغلبة الظاهرية في مقام القتال والحرب ؟ أو المراد حكومتهم خارجاً على الكفّار وكونهم تحت سلطان المؤمنين دائماً ؟ أو المراد أنّ اللَّه تعالى يهلك مخالفيهم جميعاً بعذاب ، وينتقم منهم بالإهلاك والتدمير ، كقوم هود وقوم لوط ؟ أو المراد هو الأمر المركّب منها كلًاّ أو بعضاً ؟
فاللازم لفت النظر إلى حال الأنبياء وتابعيهم من أوّل تكوّن حزبهم ، ومقايستها مع مخالفيهم والكافرين بهم حتّى يظهر المراد بكيفية غلبتهم على الكافرين ، فنقول : إنّ الذي يظهر من سير الآيات القرآنية أنّ القدر المتيقّن من ثبوت الغلبة والتسلّط للأنبياء والمؤمنين التابعين لهم بإحسان ، ثبوتاً دائميّاً في جميع أزمنة تصادمهم وتقابلهم مع مخالفيهم ، هو الغلبة من حيث الحجّة والبرهان ، وهو المعنيّ بقول اللَّه : « فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ » ، « 2 » وأمّا الغلبة في مقام القتال والمحاربة أو التسلّط عليهم بالحكومة وتولّى الأمور السياسية والاجتماعية ، فلم تتّفق إلّافي موارد نادرة ، والتسلّط بمعنى إهلاكهم دفعة واحدة فهو وإن كان كثير الوقوع في الأمم الماضية إلّاأنّه أيضاً ليس بأمر دائمي ، فلاحظ حال آدم الصفيّ ومن بعده إلى نوح ، لم تظفر لهم بشيء من القتال ، بل وغيره من مراتب المقابلة للعدوّ ، ولو كان لهم أمر من قبيل إبلاغ الأحكام فهو الاحتجاج وإثبات المقصد بالاستدلال .
هامش
( 1 ) . ما بين المعقوفين أضفناه لمقتضى السياق . .
( 2 ) . الأنعام ( 6 ) : 149 . .