وأمّا إبراهيم الخليل فقد نشأ ببابل ، وهي المملكة الواقعة بين النهرين تحت سلطنة نمرود ، « 1 » وكانوا عبدة الأوثان ، فبلّغ رسالات ربّه ، وأنذر ، وأوعد ، وجاهد في اللَّه حقّ جهاده حتّى أتمّ الحجّة عليهم إذ ألقوة في النار ، فنجّاه اللَّه منها سالماً غانماً ، لكنّه لم يؤثّر فيهم دعوته ، وأزمعوا على إيذائه وقتله ، فهاجر إلى ناحية فلسطين ، وبلّغ رسالة ربّه هناك لعبدة الكواكب ، حتّى ارتحل منها إلى مكّة لبناء البيت ، فلم ينقل اللَّه له حرباً وقتالًا وغلبة في المحاربة ، ولا تولّي الحكومة على الناس ، ولا إهلاك معانديه ومخالفيه .
وأمّا إسحاق وإسماعيل ويعقوب فلا نجد لهم أثراً من الحرب والقتال في الكتاب الكريم ، ولا الحكومة على امّة من الأمم ، نعم كان لداود وسليمان ويوسف ويونس خلافة في الناس وتولّي أمر الحكومة وزعامة على امّة ، لا الغلبة في الحرب والقتال .
وأمّا أيّوب وزكريّا ويحيى وعدّة آخرين منهم عليهم السلام فلا تعرّض في الكتاب لحالهم إلّا شيئاً يسيراً .
وأمّا عيسى عليه السلام فقد عرفت « 2 » أنّه لم يقاتل مع الكفّار ، ولم تكن له ولاية عليهم ، نعم الظاهر نزول العذاب على عدّة من مخالفيه ، كالمسخ وغيره .
وبالجملة الخوض في الآيات يعطي قلّة وقوع الغلبة بالقتال والحرب والغلبة بالحكومة وتولّي الأمر ، ولا تعرّض للقتال في الكتاب الكريم إلّافي قضية طالوت وجالوت وقتل داود جالوت ، وظاهره وقوع غلبة المسلمين على الكفّار ، وفي قصّة موسى لمّا أخبر امّته بأنّ اللَّه قد كتب عليهم القتال ، أجابوا بأنّ فيها قوماً جبّارين وإنّا لا ندخلها أبداً ما داموا فيها ، فاذهب أنت وربّك فقاتلا ، إنّا هاهنا قاعدون . « 3 » نعم يستفاد من بعض الآيات على نحو الإجمال وقوع القتال والمحاربة كثيراً بين الأنبياء وخيرتهم وبين الكفّار إلّاأنّه لا دلالة فيها على الغالب والمغلوب ، قال تعالى :
هامش
( 1 ) . وللمزيد راجع : معجم البلدان ، ج 1 ، ص 309 - 311 ، ذيل « بابل » . .
( 2 ) . أي ذيل تفسير الآيات السابقة المرتبطة بالمسيح عليه السلام . .
( 3 ) . اقتباس من الآيات 22 - 24 من سورة المائدة ( 5 ) . .