وأمّا نوح النبيّ عليه السلام فلم يحارب عدوّاً حتّى يكون له الغلبة ، ولم يكن له ولاية وحكومة إلّاعلى أتباعه المؤمنين ، وما آمن معه إلّاقليل ، نعم أهلك اللَّه مخالفيه بالطوفان ، وأغرقهم أجمعين .
وأمّا هود النبيّ ؛ أعني أخا عاد ، إذ أنذر قومه بالأحقاف - وهي محلّ بين اليمن وعمّان « 1 » - ، فوعظ وذكر ، ووعد وأوعد ، فسفّهوه ، وكذّبوه ، فجاءهم ريح « تُدَمِّرُ « 2 » كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها فَأصْبَحُوا لا يُرى إلاّ مَساكِنُهُمْ » ، « 3 » فلم يقاتل ، ولم يتولّ أمورهم ، بل خاصمهم ، فأفحمهم ، ثمّ عذّبهم ربّهم .
وأمّا صالح النبيّ ، أعني أخا ثمود ، فدعا قومه ، واحتجّ عليهم بأبلغ الحجج وأظهرها ، فأخرج لهم الناقة من الجبل إلّاأنّهم لم يؤمنوا بما جاء به ، ثمّ عقروا الناقة ، فأخذ الذين ظلموا الصيحة ، فأصبحوا في ديارهم جاثمين ، « 4 » فلم يحارب ولم يغلب .
وأمّا شعيب المبعوث إلى مدين - حوالي الشام - فقد بلّغ ، وأنذر ، وأعذر ، وكان خطيب الأنبياء ، فوعدهم الثواب ، وخوّفهم من العقاب ، فكذّبوه ، وهدّدوه بالإخراج عن قريتهم ، فأخذتهم الرجفة ، فأصبحوا في ديارهم جاثمين ، « 5 » فلم يكن له إلّاالظفر بالبرهان وهلاك أعدائه بمشيّة اللَّه .
وأمّا لوط النبيّ فكان في بلدة سَدوم من نواحي فلسطين ، « 6 » فأنذر ، وأعذر حتّى أخرجه اللَّه من بينهم ، وأهلك الباقين ، فأمطر عليهم حجارة من سجّيل ، وما هي من الظالمين ببعيد . « 7 »
هامش
( 1 ) . وللمزيد والتفصيل راجع : معجم البلدان ، ج 1 ، ص 115 و 116 ، ذيل « الأحقاف » . .
( 2 ) . التدمير : الإهلاك . المصباح المنير ، ص 199 ( دمر ) . .
( 3 ) . الأحقاف ( 46 ) : 25 . .
( 4 ) . اقتباس من الآية 67 من سورة هود ( 11 ) . و « جاثمين » استعارة للمقيمين ، من قولهم : جثم الطائر ، إذا قعد ولطئ بالأرض . المفردات للراغب ، ص 187 ( جثم ) . .
( 5 ) . اقتباس من الآية 91 من سورة الأعراف ( 7 ) ، والآية 37 من سورة العنكبوت ( 29 ) . .
( 6 ) . راجع : البحر المحيط ، ج 7 ، ص 453 ، ذيل الآية 74 من سورة الأنبياء ( 21 ) . .
( 7 ) . اقتباس من قوله تعالى : « فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجّيلٍ مَنْضُودٍ » . هود ( 11 ) : 82 . .