وقال : « شَرَعَ لَكُم مّنَ الدّينِ مَا وَصَّى بِهِى نُوحًا وَالَّذِى أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِى إِبْرَ هِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُواْ الدّينَ وَلَاتَتَفَرَّقُواْ » « 1 » ، أي شرع اللَّه للمسلمين ديناً شرعه لنوح النبيّ الذي هو أوّل من انزل إليه الدين ، وشرعت له الشريعة ، ولمن بعث في ما بعده إلى زمان محمّد صلى الله عليه وآله ، من أصحاب الشرايع ، وهم إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ، وهو دين واحد تصوّر في كلّ عصر بصورة خاصّة تناسبه ، وتلبّس في كلّ وقت وآونة « 2 » بلباس اقتضاه الصلاح .
ولاحظ أيضاً ما دلّ على تنزيل المرسلين جميعاً منزلة الجماعة الواحدة والامّة الفاردة ، ويدلّ على وحدة الغرض والدين أيضاً ، قال : « قُولُواْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَى إِبْرَ هِيمَ وَإِسْمعِيلَ وَإِسْحقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَآ أُوتِىَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبّهِمْ لَانُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُو مُسْلِمُونَ » « 3 » ، وكذا الآية « 4 » 84 من آل عمران ( 3 ) . وقال : « وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَللئكَتِهِى وَكُتُبِهِى وَرُسُلِهِى لَانُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِى » « 5 » .
وقال : « إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِى وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُوابَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِى وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوابَيْنَ ذَ لِكَ سَبِيلًا أُوْللئكَ هُمُ الْكفِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا وَالَّذِينَ ءَامَنُوابِاللَّهِ وَرُسُلِهِى وَلَمْ يُفَرّقُوابَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ أُوْلئكَ العمل لباذل الأجرة ، وليس الأمر في أعمالنا كذلك ؛ فإنّ مصالح الحسنات ترجع إلى فاعلها ، كما أنّ مفاسد السيّئات ترجع إلى عاملها ، فكلّ نفس لها ما كسبت ، وعليها ما اكتسبت . « 6 » وهذا كما في أوامر الطبيب ونواهيه ، فلا يستحقّ المريض أجراً من الطبيب لامتثال ما أمره ولا عقاباً لمخالفته ، وعلى هذا فمنع الأجور عنهم وحرمانهم عنها لا يكون خلاف العدل من اللَّه ولا ظلماً بحسب ، مع أنّه أطلق عليه الظلم ب قوله : « وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمينَ » .
سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ » « 6 » ، فجعل من فرّق بين الرسل في الإيمان بهم كافراً ، ومن لم يفرّق بينهم مؤمناً .
والحاصل من جميع ما ذكرنا أنّ هنا طائفتين : المؤمنون المتّبعون للرسل المتديّنون
هامش
( 1 ) . الشورى ( 42 ) : 13 . .
( 2 ) . الآونة : جمع الأوان ، وهو الحين والزمان ، مثل زمان وأزمنة . لسان العرب ، ج 13 ، ص 39 و 40 ( أون ) . .
( 3 ) . البقرة ( 2 ) : 136 . .
( 4 ) . وهي قوله تعالى : « قُلْ آمَنّا بِاللَّهِ وَما انْزِلَ عَلَيْنا وَما انْزِلَ عَلى إبْراهيمَ وَإسْماعيلَ وَإسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَاْلأَسْباطِ وَما اوتِيَ مُوسى وَعيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ » . .
( 5 ) . البقرة ( 2 ) : 285 . .
( 6 ) . النساء ( 4 ) : 150 - 152 . .