بالنصارى بالفعل ، فإنّهم ليسوا تابعين له حقيقة ؛ إذ المراد التبعيّة في العقائد القلبية والفضائل النفسية والأعمال الجوارحية ، وهذا المعنى من التبعية ليس فيهم قطعاً ، فأين ذلك والقول بالتثليث وارتكاب الفواحش والمعاصي بحيث ملأوا الدنيا فساداً ومنكراً ؟ ! فلا أثر من التبعية فيهم ، وليسوا معنيّين بكلام اللَّه تعالى .
بل المراد التابعون له تبعية حقيقية في الجهات الثلاث المذكورة ، ولا ينطبق التابع بهذا المعنى إلّاعلى القوم الذين أذعنوا بجميع ما أتى به عيسى من اللَّه اصولًا وفروعاً من لدن بعثته عليه السلام إلى زمان ظهور الإسلام وبعثة محمّد صلى الله عليه وآله ، والكافرون له حينئذ كلّ من لم يتبعه في أصول دينه وفروعه ، ومنهم النصارى التي قالت بالتثليث ، وأمّا بعد ظهور الإسلام ، فمن آمن منهم بمحمّد صلى الله عليه وآله ودينه وكتابه فهو من التابعين لعيسى حقّاً ؛ إذ من جملة أحكام شرعه الإيمان بالنبيّ بعده ؛ حيث حكى اللَّه عنه ب قوله : « وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتى مِنْ بَعْدى اسْمُهُ أحْمَدُ » ، « 1 » ومن كفر به فقد كفر بعيسى ، فالمؤمنون به هم المسلمون ، والكافرون به هم غير المسلمين ، سواء أكانوا من اليهود ، أم من النصارى ، أم من غيرهم .
وعلى هذا فالمراد بالتفوّق الأعم من التفوّق بالبرهان وبالسيطرة الظاهرية ، فمنذ تكوّنت هذه الملّة ، وآمنت بعيسى ، تفوّقت بالبرهان والتبيان ؛ إذ كان بأيديهم الإنجيل السماوي والحجج التي أفادوها من لسان النبيّ العظيم عيسى ، وهم قد بقوا على هذه الغلبة حتّى تمسّكوا بحبل الإسلام وحجج القرآن ، ففاقوا في الحجّة ، وظفروا بالبيّنة ، وهم يبقون على تلك الحالة إلى أن يأتي اللَّه بالمهديّ الكريم والقائد العظيم ، فيتّبعونه ، ويفوّقون بالسيطرة الظاهرية والحكومة الإلهية على العالم ، كما كانوا فائقين عليهم بالبرهان ، فالتابعون لعيسى قد جعلهم اللَّه فوق غيرهم منذ ظهر عيسى ، وأعلن دعوته إلى يوم القيامة ، مدّة بالبرهان ، وأخرى بالسيطرة .
فظهر أنّ المراد بالآية أنّ اللَّه تعالى جعل التابعين لعيسى بالإذعان بنبوّته ودينه وما
هامش
( 1 ) . الصفّ ( 61 ) : 6 . .