تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
قومه ، يقتضي عروض نوع من القذارة عليه ؛ فإنّ تأثّر الإنسان بالرجس والقذارة وتلطّخه به على أنواع : تلطّخ بدنه بالنجاسة والقذارة الظاهرية ، أو بالأمراض وجراثيمها المضرّة المهلكة ، وتلطّخ روحه بالعقائد الفاسدة ، ونفسه بالملكات الرذيلة . وأعضائه بالمعاصي والأعمال القبيحة ، وتلطّخ نسبه بالعهر والفواحش الفاضحة ، وتلطّخ الإنسان الصالح بالمجتمع الفاسد ، وكونه في ما بين أهل الكفر والفجور والمنكرات . ولا إشكال في أنّ تطهير كلّ قذارة يكون بتناسبها ، فالنجاسات بالماء ، والأمراض بالدواء ، والعقائد والملكات والأعمال بالتوبة والندم ، والنسب بالخروج ممّا بينهم وترك صحبتهم وقطع الروابط عنهم ، فتطهير الإنسان عن صحبة الاجتماعات الفاسدة الخبيثة يكون بإخراجه ممّا بينهم وإبعاده عنهم ونقله إلى محيط آخر صالح طاهر ، لاكفر في أهلهم ولا نفاق ، ولا فسق فيهم ولا فساد ، وكان قوم عيسى من تلك الفرقة ؛ لكفرهم وعنادهم وعدم تأثير المعارف الإلهية في نفوسهم ، ولو كان ملقّيها عيسى بن مريم روح اللَّه وكلمته ، فإطلاق تطهير عيسى على إخراجه ممّا بينهم تعبير ما أحسنه وأتمّه ، فالمراد : ومطهّرك من قذارة ذاك المحيط ورجز مصاحبتهم ودرن مخالطتهم . وقوله : « وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيمَةِ » . قد يقال : إنّ المراد بالتابعين لعيسى هم النصارى من أهل الكتاب ، وبالكافرين هم اليهود ، والمسلمون خارجون عن شمول الآية حينئذ ، والمراد بتفوّق النصارى على اليهود تسلّطهم خارجاً وسيطرتهم وكثرتهم من حيث الجماعة والأموال والعتاد ، « 1 » وذلك محقّق معلوم بالفعل . وعلى هذا فيستشكل على الآية : أوّلًا بعدم حصول هذا التفوّق مطلقاً ؛ فإنّ الكفّار لا ينحصرون باليهود ، بل هم جميع الملل المنكرين لنبوّة عيسى ، وليست النصارى ملّة فائقة على الجميع .
هامش
( 1 ) . العتاد ، بالفتح : العُدّة : والعتاد : الشيء الذي تُعِدُّه لأمر ما وتهيّئه له . راجع : لسان العرب ، ج 3 ، ص 279 ؛ المصباح المنير ، ص 391 ( عتد ) . .