عليهم في البرهان ؛ فإنّ الأدلّة الدالّة على نبوّة عيسى ونسخة شريعة موسى ومجيئه بكتاب جديد وشرع حادث ، أدلّة تامّة وافية تفوق على ما تمسّك به أهل التوراة في خاتميّة دين موسى وبقاء أحكام التوراة إلى الأبد ، فمعنى الآية حينئذ : أنّ اللَّه جعل التابعين لعيسى ظافراً غالباً من حيث البرهان والحجّة على من كفر به ؛ لكمال ما يدلّ على نبوّة عيسى وكتابه وتمامه .
فهو أيضاً دعوى باطلة وأمر غير مقبول ؛ فإنّ ما بيد النصارى بالفعل من الحجج والبراهين على حقيقة عيسى ، ليس إلّاهذه الأناجيل الموجودة بأيديهم ودعوى ربوبيّة عيسى وما يضاهي ذلك من الأباطيل ، وأنت خبير بعدم قابليّة كتبهم ودعاويهم لإثبات أيّة دعوى ادّعوها ومرمى راموه ، فهده الأناجيل - مع كثرة تخالف بعضها مع بعض - تتضمّن أباطيل وأكاذيب ونسبة التجسّم والتجسّد إلى اللَّه والفحشاء والمنكر إلى أنبيائه ونبيّه العظيم عيسى ، فأيّة حجّة وبيّنة بأيديهم ، يكونون بها غالبين ظافرين على من أنكر نبوّة عيسى من اليهود وغيرهم من أهل الملل والمذاهب غير المسلمين ! ؟
بل يمكن أن يقال : إنّ التوراة وإن لم تنطق عن التوحيد كما هو حقّه إلّاأنّها لا تأبى عنه أيضاً ، وما حكى اللَّه عنهم « 1 » من قولهم : عزير ابن اللَّه ، لا يراد به أنّهم ادّعوا البنوّة لعزير ، كما ادّعتها النصارى لعيسى ، بل عزير هذا من جملة المتشرّعين بشرع موسى ، وقد سعى وجاهد في سبيل مذهبه بعد ما تخلّصت اليهود من استعباد ملوك بابل بيد كوروش ملك إيران ، فجمع أشياء من التوراة المفقودة المحرّفة من هاهنا وهاهنا ، فألّف لهم كتاباً أسماه التوراة السماويّة المنزلة على موسى ، فشكرت اليهود سعيه ، وبالغت في تعظيمه ، فسمّته ابن اللَّه .
وعلى هذا ، فكيف تكون أدلّة التثليث الّتي تمسّك بها النصارى فائقة غالبة على أدلّة التوحيد ؟ !
فالصواب في معنى الآية أن نقول : إنّ المراد بالتابعين لعيسى ليس هؤلاء المسمّون
هامش
( 1 ) . في قوله تعالى : « وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأفْواهِهِمْيُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ » التوبة ( 9 ) : 30 . .