تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
وثانياً بعدم تحقّق هذه السيطرة للنصارى في أوائل تكوّن ملّتهم ، بل كانوا عندئذ قليلين مغلوبين لليهود ، مشرّدين بأيديهم ، مقتولين مثنى وفرادى ومجتمعين ، كما يشهد به ما ورد في حالهم في التواريخ ، ولعلّه إلى بعض من ذلك أشير في سورة البروج ، قال تعالى : « قُتِلَ أَصْحبُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّآ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ » « 1 » . وثالثاً بعدم تحقّق هذه السيطرة لهم في آخر الزمان بعد ظهور المولى العظيم ، مهديّ الامّة والإمام المنتظر - عجّل اللَّه تعالى فرجه الشريف - ؛ فإنّه ينقرض حينئذ سلسلة الأحزاب طرّاً ، ويبطل المذاهب المختلفة الباطلة المنحرفة ، فلا يبقى إلّاالإسلام ، ولا حكومة إلّاللإمام العدل المنصوب من اللَّه ، فيملأ الأرض قسطاً بعد أنْ ملئت جوراً ، « 2 » فأين النصارى واليهود حتّى يفوق بعضها على بعض ، ولو قلنا ببقاء أهل الكتاب في عصر القائم أيضاً ؟ ! كما لا يبعد ذلك ؛ لدلالة بعض الآيات عليه ، قال تعالى : « وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيمَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ » « 3 » ؛ فإنّ الخطاب اليهود ، وظاهر الآية أنّ اللَّه يسلّط عليهم من يعذّبهم إلى يوم القيامة ، ويكون ذلك بعد ظهور القائم بيده وبيد الأئمّة عليهم السلام من بعده ، فاليهود باقون إلى يوم القيامة . فلا معنى أيضاً لسيطرة النصارى عليهم ؛ فإنّ بقاءهم في ذلك العصر لا يكون إلّا بالتزامهم بشرائط الجزية ودخولهم تحت راية الإسلام وخضوعهم لقوانين الحكومة العادلة ، فلا تفوّق حينئذ لطائفة منهم على أخرى ، بل كلّهم أذلّاء ، صاغرون ، محكومون ، مقهورون ، إذاً فلا يصحّ حمل الآية على ذاك المعنى . ولو قيل : إنّ المراد بكون التابعين فوق الكفّار من حيث الحجّة والدليل ، فهم غالبون
هامش
( 1 ) . البروج ، 4 - 8 . . ( 2 ) . اقتباس من الحديث الشريف في ذلك . راجع : الكافي ، ج 1 ، ص 338 ، باب في الغيبة ، ح 8 ، وص 341 ، ح 21 ، وص 526 ، باب ما جاء في الاثني عشر والنصّ عليهم عليهم السلام ، ح 1 ، وص 534 ، ح 18 ؛ الفقيه ، ج 4 ، ص 177 ، ح 5402 . . ( 3 ) . الأعراف ( 7 ) : 167 . .
تفسير مبسوط — صفحة 157 | الشيخ علي المشكيني / جواد فاضل البخشايشى