تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
وأمّا لو قلنا برجوع الضمير المجرور في « مَوْتِهِ » إلى « أحد » المفهوم من الكلام ، فالمعنى أنّ جميع أهل الكتاب يؤمنون بعيسى قبل موتهم ، أو يؤمنون بمحمّد صلى الله عليه وآله قبل موتهم ، كما قال بكلّ قائل ، « 1 » فلا دلالة في الآية على حياة عيسى ؛ فإنّ المراد بالآية حينئذ انكشاف الحقائق لدى المحتضرين من أهل الكتاب ، فيحصل لهم على اليقين بالتوحيد والرسالة مطلقاً وسائر المعارف الدينية ، ولا يلازم ذلك حياة تلك الرسل ، كما أنّه لا ينفعهم ذاك الإيمان . قوله : « وَرَافِعُكَ إِلَىَّ » . إن كان المراد بإسناد الرفع إليه تعالى إسناده إلى نفسه الشريفة ، فالمراد هو الرفع المعنوي الروحاني بجعله من الأقربين وإدخاله في زمرة الملأ الأعلى والملائكة المسبّحين بالليل والنهار ، لا يفترون ؛ فإنّ الرفع الصوري المكاني إلى اللَّه تعالى غير معقول . وإن كان المراد رفعه إلى دار كرامته ومحطّ أوليائه ومكان سفرائه وملائكته ، فالرفع جسماني صوري وروحاني معنوي كليهما ؛ إذ هو عليه السلام قد رفع بجسده من سطح الأرض إلى السماء مثلًا . وعن ابن عبّاس أنّه رفعه إلى السماء الدنيا ، فهو فيها يسبّح اللَّه ويقدّسه مع الملائكة ، ويهبط منها عند ظهور الدجّال على صخرة بيت المقدس . « 2 » والسماء محلّ جسماني بحسب مقام القرب من اللَّه ؛ إذ هي مسكن الملائكة المقرّبين ومأوى السفراء المكرّمين ، وإليها يصعد الكلم الطيّب والعمل الصالح ، « 3 » ومنها تنزل البركات على عباد اللَّه ، فعيسى المسيح كان إنسيّاً أرضيّاً ، فصار ملكيّاً سماويّاً . ولعلّ ذلك معنى قوله تعالى في موارد من الكتاب : « وَأيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ » ؛ « 4 » فإنّ الرفع وقع بوساطة الروح . وقوله : « وَمُطَهّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ » ، إطلاق التطهير على إخراج عيسى من بين
هامش
( 1 ) . راجع : التبيان ، ج 3 ، ص 386 و 387 ؛ مجمع البيان ، ج 3 ، ص 211 و 212 ؛ الجامع لأحكام القرآن ، ج 6 ، ص 10 و 11 ؛ البحر المحيط ، ج 4 ، ص 130 ، ذيل الآية 159 من سورة النساء ( 4 ) . . ( 2 ) . البحر المحيط ، ج 3 ، ص 177 ، ذيل الآية 55 من سورة آل عمران ( 3 ) . . ( 3 ) . اقتباس من قوله تعالى : « إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ » ( غافر ( 35 ) : 10 . . ( 4 ) . البقرة ( 2 ) : 87 و 253 ؛ المائدة ( 5 ) : 110 . .
تفسير مبسوط — صفحة 155 | الشيخ علي المشكيني / جواد فاضل البخشايشى