تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
وقال تعالى : « وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمكِرِينَ » « 1 » ، أمّا مكر قريش فقوله تعالى : « وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ » ، « 2 » وأمّا مكره تعالى فقد حفظه ، وأخرجه من مكّة ، وأعانه بجند منه ، ثمّ ردّه إليهم ظافراً غالباً حتّى خطب صلى الله عليه وآله في محتشد « 3 » حافل « 4 » في البيت الحرام ، وقال : « الحمد للَّه‌وحده وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده وأعزّ جنده ، وهزم الأحزاب وحده » . « 5 » وقال تعالى : « وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا » « 6 » ، أمّا مكر الناس فهو جميع ما يحتالون في الدنيا لبقائهم ودفع المضارّ والموت عن أنفسهم ، وأمّا مكره تعالى فقد قال : « أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِى الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَامُعَقّبَ لِحُكْمِه‌ِى » « 7 » ، ونقص الأرض عبارة عن إماتة أهلها بالأمراض والأوجاع والحوادث المترقّبة وغير المترقّبة ، ومعنى كون المكر كلّه للَّه ، كون جميع الحيل وأسبابها بيده تعالى ، وكون نفس الماكر وتفكيره ووسائل إعمال ما قدّره ودبّره مخلوقاً للَّه‌مملوكاً له بملكية إشراقية . وقال تعالى : « قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا » « 8 » ، وقال تعالى : « إِنَّ الْمُنفِقِينَ يُخدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خدِعُهُمْ » « 9 » ، فهم يظهرون الإيمان ، ويبطنون الكفر ، فيدخلون به في زمرة المسلمين ، ويُؤمَنون على أموالهم وأنفسهم ، وينتفعون بما انتفعوا به من الغنائم وغيرها ، فكأنّهم خدعوا ربّهم بهذه الفعال ، واللَّه تعالى يمهلهم ؛ ليستدرجوا في الشقاء ، فيأخذهم بغتة وهم لا يشعرون . « 10 »
هامش
( 1 ) . الأنفال ( 8 ) : 30 . . ( 2 ) . الأنفال ( 8 ) : 30 . . ( 3 ) . المحتشد : المجتمع ، يقال : حشد القوم ، واحتشدوا ، وتحشّدوا ، أي اجتمعوا . لسان العرب ، ج 3 ، ص 150 ( حشد ) . . ( 4 ) . حافل ، أي كثير ، يقال : حفل الدمع ، أي كثر . لسان العرب ، ج 11 ، ص 157 ( حفل ) . . ( 5 ) . سنن ابن ماجة ، ج 2 ، ص 1024 ، ح 3074 ؛ تاريخ اليعقوبي ، ج 2 ، ص 60 ؛ إعلام الورى ، ج 1 ، ص 225 ؛ مناقب آل أبي طالب ، ج 1 ، ص 180 مع تفاوت يسير . . ( 6 ) . الرعد ( 13 ) : 42 . . ( 7 ) . الرعد ( 13 ) : 41 . . ( 8 ) . يونس ( 10 ) : 21 . . ( 9 ) . النساء ( 4 ) : 142 . . ( 10 ) . إشارة إلى قوله تعالى : « ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ وَالسَّرّاءُ فَأخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ » . الأعراف ( 7 ) : 95 . .