لَا عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلمُ الْغُيُوبِ » « 1 » ، وقال : « وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَمنبَآءُ يَوْمَل - ذٍ فَهُمْ لَايَتَسَآءَلُونَ » « 2 » ؟
قلنا : قد عرفت دلالة الآيات والأخبار على علمهم ، ويدلّ عليه أيضاً قوله تعالى :
« وَقَالَ الرَّسُولُ يرَبّ إِنَّ قَوْمِى اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا » ، « 3 » فلا مناص حينئذ عن القول بعدم الإطلاق في آية المائدة بحيث يشمل جميع الحالات والمواقف في القيامة ، فلعلّ ذلك يكون في موقف خاصّ ؛ فإنّه لم يظهر لنا كيفية اطّلاعهم على أحوال العباد وأعمالهم ، ولا ندري أنّهم يعلمون بها ، فيبقى في نفوسهم الشريفة إلى حال أداء الشهادة يوم القيامة ، أو أنّ حصول العلم لهم يكون عند النظر إلى صحائف الأعمال ، أو عرض الملائكة ، كاطّلاعنا على مطالب بعض الكتب ، فيغيب عنهم بعد موتهم ومضيّ مدّة البرزخ ، ثمّ يتجدّد لهم العلم بتذكير غيبيّ إلهيّ ، أو بالنظر إلى الكتاب الكبير ، أو صحائف الأعمال الخاصّة ، وبالجملة إقرارهم بعدم العلم في زمان وموقف لا يدلّ على عدم علمهم مطلقاً .
ويمكن أن يكون قوله : « فَلَنَسَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآلبِينَ » ، « 4 » إشارةً إلى أنّ المرسل والمرسل إليهم لا يعلمون ما يسألون عنه ، فيقصّ اللَّه عليهم بعلم .
وقد يقال بأنّ المراد بالآية إظهار الرسل قلّة علمهم في جنب علم اللَّه تعالى المحيط بكلّ شيء تأدّباً ومبالغة ، فكأنّهم قالوا : علمنا بذلك كعدم العلم ، فلا علم لنا ، وقوله تعالى : « إِنَّكَ أَنتَ عَلمُ الْغُيُوبِ » يؤيّد المعنى الأوّل ؛ فإنّهم جعلوا مورد السؤال من مصاديق الغيوب التي لا يعلمها إلّااللَّه .
هذا إجمال الكلام في مسألة الشهادة وأقسامها وزمانها وسائر خصوصيّاتها ، ويظهر بذلك أنّ الحواريّين لمّا طلبوا من رسولهم أن يكون لهم شاهداً ، ودعوا ربّهم أن يكتبهم شهداء ، علم منه أنّ حقيقة سؤالهم هي أن يبلّغهم ربّهم مقام الامّة الوسط والمجاهدين في اللَّه حقّ الجهاد ، وذلك إمّا بإكمالهم في درجات الإيمان ، أو باجتبائهم
هامش
( 1 ) . المائدة ( 5 ) : 109 . .
( 2 ) . القصص ( 28 ) : 65 و 66 . .
( 3 ) . الفرقان ( 25 ) : 30 . .
( 4 ) . الأعراف ( 7 ) : 6 و 7 . .