فالمراد به العمل بقوانين الشرع وأحكام الدين ، ومعنى كونه حقّ الجهاد مراعاة جميع أصولها وفروعها عملًا ومقارنة ذلك بالإخلاص قلباً .
وقوله : « هُوَ اجْتَباكُمْ » ، أي اختاركم ربّكم بإعطاء هذا الدين وإنزال الكتاب المبين ، ولم يجعل لكم في أحكامه وقواعده حكماً حرجيّاً ، بأن لم يشرع ما كان أصله مستلزماً للحرج ، كإيجاب الصلاة بالجماعة على جميع الناس وخمسين صلاة في أواخر الليل ، وتحريم أكل غير الخبز مثلًا ، ورفع ما صار ضرريّاً في مقام العمل ، كإيجاب الغسل والصيام للمريض ونحو ذلك .
وقوله : « مِلَّةَ أَبِيكُمْ » ، أي هذا الدين هو الطريقة التي كان عليها أبوكم إبراهيم عليه السلام .
وقوله : « هُوَ سَمَّاكُمْ » ، أي اللَّه تعالى ، أو إبراهيم النبيّ سمّاكم المسلمين من قبل زمانكم هذا ، وهو جميع الأزمنة التي شرع الدين للناس وفي زمانكم هذا ؛ فإنّ الدين عند اللَّه الإسلام ، « 1 » وكلّ من قبل الدين وعمل به فهو مسلم .
وقوله : « لِيَكُونَ الرَّسُولُ » ، الظاهر أنّه في مورد العلّة الغائية لقوله : « وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ » ، وما بينها تعليل للجهاد المذكور وبيان لما يكون حثّاً في ذلك وترغيباً ؛ فإنّ اصطفاء امّة واجتباءهم وبذل نعمة الدين عليهم وتسميتهم مسلمين ، يقتضي لزوم جهادهم حقّ الجهاد ، كما أنّ نتيجة ذاك الجهاد الخاصّ هي بلوغ المجاهد مقاماً متوسّطاً بين الرسول والناس وكون الرسول شاهداً عليه بأخذه الدين وإبلاغه ، وكونه شاهداً على الناس بالقبول والرّد .
وهذه الآية أيضاً كسابقتها تنطبق على الأئمّة عليهم السلام وهم المغيّون بها ، كما وردت بذلك أخبار ، ففي صحيح بريد العجلي عن مولانا الصادق عليه السلام ، قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام : قوله تعالى : « وَجهِدُوا فِى اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِى هُوَ اجْتَبَلئكُمْ » ، قال :
« إيّانا عنّى ، ونحن المجتبون ، ولم يجعل اللَّه - تبارك وتعالى - في الدين من حرج ، فالحرج أشدّ من
الضيق ، « مّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَ هِيمَ » : إيّانا عنّى خاصّة ، « هُوَ سَمَّلئكُمُ الْمُسْلِمِينَ » : اللَّه سمّانا المسلمين ، « مِنْ قَبْلُ » : في الكتب التي مضت ، « وَفِي هذَا » القرآن « لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا
هامش
( 1 ) . إشارة إلى الآية 19 من سورة آل عمران ( 3 ) . .