جَعَلْنكُمْ أُمَّةً وَسَطًا » » . « 1 » وفي رواية حمران بن أعين عن الباقر عليه السلام : إنّما أنزل اللَّه « وَكَذَ لِكَ جَعَلْنكُمْ أُمَّةً وَسَطًا » ؛ يعنى عدولًا « لّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا » ، قال :
« ولا يكون شهداء على الناس إلّاالأئمّة عليهم السلام والرسل ، فأمّا الامّة فإنّه غير جائز أن يستشهدها [ اللَّه تعالى ] « 2 » وفيهم من لا يجوز شهادته في الدنيا على حُزْمة بقل « 3 » » . « 4 » فهذه الروايات كاشفة عن مرمى الآية ومعناها من حيث تعيين الشهود ، وأمّا المشهود به وأنّهم بماذا يشهدون ؟ فقد روى أبو بصير عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى :
« لّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ » ، قال : « بما عندنا من الحلال والحرام ، وبما ضيّعوا منه » . « 5 » والمراد بما عندهم أحكام الدين من أصوله وفروعه ، فهم يشهدون بعلم الناس بها وجهلهم وطاعتهم ومخالفتهم .
ثمّ إنّه لا ينافي ما ذكرنا من كون الخطاب للأئمّة عليهم السلام ، إمكان ثبوت هذا المقام لغيرهم أيضاً ، فالآية تشبه الآيات التي خوطب بها النبيّ الأعظم ، وتشمل غيره في مفادها ، فكلّ إنسان سعى في مراتب كماله الديني ، ورقى في درجاته بحيث اعتدلت عقائده ، وتوسّطت ملكاته ، واستقامت أعماله ، يكون ممّن يشهد يوم القيامة على الناس بما يشهد به الأئمّة عليهم السلام ، ويكون الرسول صلى الله عليه وآله شهيداً عليه بمقامه وكماله .
وقوله تعالى : « وَجهِدُوا فِى اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِى هُوَ اجْتَبَل - كُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدّينِ مِنْ حَرَجٍ مّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَ هِيمَ هُوَ سَمَّلئكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ » « 6 » .
الجهاد هو تحمّل المشقّة ، والمراد به هنا الأعمّ من جهاد النفس وجهاد العدوّ ،
هامش
( 1 ) . شواهد التنزيل ، ج 1 ، ص 119 ، ح 129 . .
( 2 ) . ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر . .
( 3 ) . « حُزْمة بقل » أي ما حُزِمَ وشدّ وسطه منه ، أي قبضة مشدودة منه . راجع : لسان العرب ، ج 12 ، ص 131 ( حزم ) . .
( 4 ) . مناقب آل أبي طالب ، ج 4 ، ص 179 . وعنه في نور الثقلين ، ج 1 ، ص 135 ، ح 411 . .
( 5 ) . تفسير العيّاشي ، ج 1 ، ص 63 ، ح 113 . .
( 6 ) . الحجّ ( 22 ) : 78 . .