المشهود به ؟ وما هو المحوج إلى وقوعها ؟
فنقول : تستعمل الشهادة في اللغة تارة بمعنى الحضور عند شيء ، « 1 » ويلازمه عادة العلم بحال ذاك الشيء ، وهذا إذا عدّي إلى المفعول بنفسه ، كقوله تعالى :
« فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ » « 2 » ،
وقوله تعالى : « لّيَشْهَدُوا مَنفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ » « 3 » ،
« وَالَّذِينَ لَايَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا » « 4 » .
وأخرى بمعنى الإخبار عن الشيء والحكاية عنه ، « 5 » وهذا على قسمين : شهادة تكوينية ، وشهادة إنشائية ، أمّا الأولى فهي كون الشيء دالّاً على أمر بمقتضى طبعه وخلقته ؛ قال تعالى : « وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنم بَنِىءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَآ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذَا غفِلِينَ » « 6 » ،
والمعنى أنّ اللَّه أخرج نسل بني آدم بعضهم من بعض والأبناء من أصلاب الآباء قرناً بعد قرن ، فأشهدهم على التوحيد بأن أقام لهم دلائل التوحيد وبراهينه في الآفاق وفي أنفسهم ؛ ليقرّوا باللَّه ، ويذعنوا بتوحيده ، فيكون خلق العالم على هذه الكيفية المشاهدة وإبداع الآثار والشواهد الحاكية عن ذاته تعالى وصفاته ، إشهاداً من اللَّه ودعوة للعقول ؛ ليقبلوا ، ويعترفوا ، كما أنّها شهادة تكوينية منه تعالى على وحدانيّته ، ويكون ما ركّب في عقولهم من استعداد إدراك الحق والإذعان به شهادة تكوينية منهم وإقراراً على التوحيد ، فكأنّ اللَّه تعالى قال لهم : ألست بربّكم ؟ وكأنّهم قالوا : بلى شهدنا .
وقال تعالى : « شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُو لَآإِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَللئكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَآمَام بِالْقِسْطِ » « 7 » ، يمكن أن يكون المراد بشهادة اللَّه تعالى في هذه الآية ما ذكرنا من شهادة أجزاء العالم على وجوده وصفاته ، فهي شهادة تكوينية ، ويمكن إرادة الشهادة الكتبية ، كخلق اللَّه
هامش
( 1 ) . لسان العرب ، ج 3 ، ص 240 ( شهد ) . .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 185 . .
( 3 ) . الحجّ ( 22 ) : 28 . .
( 4 ) . الفرقان ( 25 ) : 72 . .
( 5 ) . الصحاح ، ج 2 ، ص 494 ( شهد ) . .
( 6 ) . الأعراف ( 7 ) : 172 . .
( 7 ) . آل عمران ( 3 ) : 18 . .