« وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا » « 1 » . والحاصل ممّا ذكرنا أنّه يمكن حمل دعوة عيسى إلى نصرته ونصرة اللَّه على المعنى الأعمّ الشامل للنصرة في الحرب وبذل النفس في سبيل اللَّه تعالى .
قوله : « ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ » . قد استعمل في الآية الشريفة لفظ « الإسلام » و « الإيمان » ، وينبغي في توضيح معناها تقدّم مقدّمة موجزة ، وهي أنّ للإنسان بحسب الغالب في سيره إلى كمالاته الإنسانية والدينية مراحل أربع متدرّجة :
الأولى : الإقرار باللسان بالتوحيد والنبوّة وما أتى به الرسول في الجملة ، وهذه هي الدرجة الأولى ، فقد تحقّق هذه ، والقلب خال عن الإذعان ، أو هو في شكّ وريب .
الثانية : الإذعان قلباً ، والاعتقاد باطناً بما أقرّ بلسانه ، وهذه المرتبة قد تنفصل عن الأولى بزمان وقد تقارنها ، كما أنّه قد يتّفق تقديمها عليها .
الثالثة : تأثير الإذعان الباطني في حركة صاحبه نحو العمل والامتثال للتكاليف الظاهرية من الواجبات والمحرّمات .
الرابعة : تسليم القلب بما أذعن وحصول طمأنينة فيه وسكينة ، بحيث لا يقبل الترديد والتشكيك ، ولا يتزلزل بعروض الحوادث وتهاجم الوساوس ، وتسمّى هذه المرتبة باليقين .
إذا عرفت هذا فنقول : إنّ معنى اللفظين في اللغة واضح ؛ فإنّ الإيمان بمعنى الإذعان والتصديق ، « 2 » والإسلام بمعنى الانقياد والخضوع . « 3 » وأمّا عند المتشرّعة فقد يقال : إنّ الإسلام والإيمان لفظان مترادفان ، يطلقان على جميع تلك المعاني ، فمعنى اللفظين أمر ذو تشكيك ، كالنور والضياء ، وعلى فرض صحّة هذا القول - كما أنّه يؤيّده قول مولانا السجّاد عليه السلام في الدعاء الذي رواه عنه أبو حمزة الثمالي : « اللهمّ إنّ قوماً آمنوا بك بألسنتهم ؛ ليحقنوا بذلك دماءهم ، فأدركوا ما
هامش
( 1 ) . النساء ( 4 ) : 141 . .
( 2 ) . لسان العرب ، ج 13 ، ص 21 ( أمن ) . .
( 3 ) . لسان العرب ، ج 12 ، ص 293 ( سلم ) . .