اللفظين مطلقاً ، وأمّا المراد بهما في المقام فيمكن كون المراد بهما المرتبة الأخيرة ، فالمقصود بالآية أنّهم اعترفوا بكونهم موقنين ، وطلبوا من عيسى أن يشهد به عند اللَّه ، ويمكن أن يراد بالإيمان المرتبة الثانية أو الثالثة ، وبالإسلام الأخيرة ؛ لأنّ اسم الفاعل هنا يدلّ على ثبوت معناه في الباطن وصيرورته ملكة .
ثمّ إنّهم بعد ما عرضوا إيمانهم وإسلامهم على نبيّهم ، وطلبوا منه الشهادة على ذلك ، توجّهوا إلى اللَّه ، وعرضوا إيمانهم عليه تعالى أيضاً بقولهم : « رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدينَ » ، « 1 » والإيمان في هذه الآية محتمل لكلّ واحدة من مراتبها المذكورة آنفاً ، وهل يراد باتّباع الرسول هنا اتّباعه قولًا ، أو قلباً واعتقاداً ، أو مشياً وعملًا ، أو في جميع ذلك ؟ وجوه ، وعلى بعض المحتملات يكون عطفه على قوله : « آمَنّا » عطفاً تفسيرياً .
وهذا إذا أريد باتّباع الرسول اتّباعه في أوامره ونواهيه الإرشادية ، وهي ما يحكيه الرسول عن اللَّه تعالى ، فالأولى أن يراد اتّباعه في أوامره المولوية ، فيتغاير الإيمان باللَّه مع اتّباع الرسول ، كما ذكرنا في قوله تعالى : « أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ » . « 2 »
وفي ذكر ذلك إيماء بأنّ قبول الدين والكتاب السماوي لا يتمّ إلّاباتّباع مجريه والاهتداء بهدى الإمام العدل ، فالعدل القانوني الحكمي لا ينفع ، أو لا يكمل ولا يتمّ إلّا بالإمام العادل والهادي المصون عن الخطاء والزلل ، ولذلك تعمّدت واهتمّت الشيعة الإمامية بالتصريح على العدل والإمامة في أصول دينهم ، وعدّوها خمسة أو سبعة ، كما مرّ في بعض الأبحاث الماضية .
وهنا أمر ينبغي للمتأمّل في حقائق التنزيل أن يلتفت إليه ، وهو أنّ الحواريّين أشهدوا نبيّهم عيسى أوّلًا على إسلامهم ، ثمّ طلبوا من ربّهم أن يكتبهم مع الشاهدين ، فما معنى هذه الشهادة ؟ ومتى تقع ؟ وأين تقع ؟ ومن هو المشهود عليه ؟ وما هو
هامش
( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 53 . .
( 2 ) . النساء ( 4 ) : 59 ؛ المائدة ( 5 ) : 92 ؛ النور ( 2 ) : 54 ؛ محمّد صلى الله عليه وآله ( 47 ) : 33 ؛ التغابن ( 64 ) : 12 . .