الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُواخسِرِينَ قَالُوا يمُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ » ، « 1 » « إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَآ أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقتِلَآ إِنَّا ههُنَا قعِدُونَ » « 2 » .
والظاهر أنّه لم يكن حكم الجهاد في التوراة مخصوصاً بقوم خاصّ وأرض معيّنة ، بل كان حكماً كلّيّاً إلهيّاً قابلًا للدوام والبقاء ، كما قال تعالى : « أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنم بَنِى إِسْرَ ءِيلَ مِنم بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِىّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ » « 3 » [ إلى قوله تعالى ] : « 4 » « وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَءَاتَلئهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ » . « 5 »
وبالجملة كان الجهاد مع أعداء الدين من الأحكام الثابتة في التوراة ، ولازم ذلك ثبوته في شرع عيسى أيضاً ؛ لأنّه كان مصدِّقاً لجميع ما فيها ، ويدلّ عليه أيضاً قوله تعالى : « إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَ لَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِى التَّوْرَلةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْءَانِ » « 6 » ، و « المؤمنون » يشمل كلّ من آمن باللَّه ورسله في كلّ عصر وزمان ، وقوله : « وَعْداً عَلَيْهِ » أي إنّ وعد الجنّة لهم وعد ثابت على اللَّه مذكور في التوراة والإنجيل والقرآن ، فالآية تدلّ على تشريع حكم الجهاد لهم كما شرع لغيرهم ، فما في تفسير روح المعاني للآلوسى من قوله : « إنّه لم يصحّ أنّ عيسى عليه السلام أمر به » « 7 » غير صحيح .
هذا بالنسبة إلى تشريع الجهاد في شريعته ، وأمّا وقوعه وصدوره منه في حياته فقد يستظهر أيضاً من قوله تعالى : « فَامَنَت طَّآلفَةٌ مّنم بَنِى إِسْرَائيلَ وَكَفَرَت طَّآلفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواعَلَى عَدُوّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظهِرِينَ » « 8 » ، لكنّ الآية ليست نصّاً في الغلبة بالحرب والقتال ؛ لاحتمال كون المراد الغلبة بالحجّة والبرهان ، كما قيل في قوله تعالى :
هامش
( 1 ) . المائدة ( 5 ) : 21 و 22 . .
( 2 ) . المائدة ( 5 ) : 24 . .
( 3 ) . البقرة ( 2 ) : 246 . .
( 4 ) . ما بين المعقوفين أضفناه بمقتضى السياق . .
( 5 ) . البقرة ( 2 ) : 251 . .
( 6 ) . التوبة ( 9 ) : 111 . .
( 7 ) . روح المعاني ، ج 3 ، ص 176 ، ذيل الآية 52 من سورة آل عمران ( 3 ) . .
( 8 ) . الصفّ ( 61 ) : 14 . .