المقسّمات أمراً « 1 » والمدبّرات أمراً ، « 2 » ولم يدع اللَّه أحداً إلى نصرته في هذا الغرض .
وأمّا الثاني فقد أجراه بيد أنبيائه وأوليائه وبعض ملائكته ، فهم المتلقّون شرائع اللَّه من قبله ومبلّغوها إلى خلقه ، وهم وسائط الفيض التشريعي ، كما أنّ الملائكة وسائطه الفيض التكويني . وقد طلب في تحقيق هذا الغرض النصر من خلقه ، وندبهم إلى ذلك ، وليس ذلك لعجزه ، بل لأجل أنّ هذا الغرض لا يتحقّق إلّاإذا أتاه المكلّفون بإرادتهم واختيارهم ، فبعض بتلقّيه من اللَّه وإبلاغه ، وآخرون بنصرة المتلّقي ، وهي عين نصرته ، وسائر الناس بالقبول والعمل معهم .
ثمّ إنّه قد ظهر بما ذكرنا أنّ ما يرى في القرآن الكريم - من أنّ اللَّه تعالى يذكر تارة نصره للناس ، وأنّه ينصرهم جميعاً ، وأنهم محتاجون إلى نصره ، ويدعوهم ويحثّهم أخرى إلى أن ينصروا ربّهم - لا تنافي بينهما ولا تهافت ، بل الموارد مختلفة ، فنصرة اللَّه عامّ لجميع الخلق في جميع مقاصدهم الدنيوية والأخروية ، ونصر الخلق له تعالى يختصّ بالغرض التشريعي ، وذلك النصر بنفسه نوع من عباداتهم ، أمرهم اللَّه بذلك ؛ ليثيبهم عليه ، وهم في نصرهم ذلك محتاجون إلى نصره تعالى ؛ « وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُو » . « 3 »
فمن موارد ذكره تعالى نصره لخلقه - وهي كثيرة - قوله تعالى :
« وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ » « 4 » ؛
« وَاللَّهُ يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِى مَن يَشَآءُ » « 5 » ؛
« بَلِ اللَّهُ مَوْلَل - كُمْ وَهُوَ خَيْرُ النصِرِينَ » « 6 » ؛
« مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِى الدُّنْيَا وَالْأَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ
هامش
( 1 ) . إشارة إلى الآية 4 من سورة الذاريات ( 51 ) . .
( 2 ) . إشارة إلى الآية 5 من سورة النازعات ( 79 ) . .
( 3 ) . الحجّ ( 22 ) : 40 . .
( 4 ) . الروم ( 30 ) : 47 . .
( 5 ) . آل عمران ( 3 ) : 13 . .
( 6 ) . آل عمران ( 3 ) : 150 . .