علوّاً كبيراً ، فالأعوان في هذا المقام عبارة عن الملائكة الموكّلين بتدبير العالم ، ويطلق عليهم أنصار اللَّه في الأمور التكوينيّة .
ومن هنا يمكن أن يقال : إنّ الملائكة مجبورون على الطاعة ، وإنّهم لا يقدرون على التخلّف ، فهم وإن فعلوا ما فعلوا بالإرادة إلّاأنّهم في إرادتهم غير مختارين ، وليسوا مثلنا مختارين في الإرادة وتركها ، ولأجل ذلك لم نشاهد ولم ينقل لنا مخالفتهم أمر اللَّه ونهيه واستحقاقهم العقاب لأجلها ، كما أنّه لم يذكر في الكتاب الحكيم لطاعتهم وأعمالهم أجر ومثوبة .
وقد يريد تعالى تحقّق أمر وحصوله مع تخلّل إرادة من مكلّف قادر مريد مختار غير مجبور ولا مقهور ، وتسمّى هذه الإرادة من اللَّه بالإرادة التشريعيّة ، وهي كالعقائد الحسنة القلبيّة والأعمال الصالحة الجوارحيّة الصادرة من الأناسيّ « 1 » والأجنّة والشياطين ؛ فإنّهم جميعاً مختارون في ذلك ، فيريد اللَّه تعالى ، ويجب صدور تلك الأفعال منهم بإرادتهم واختيارهم ، لا بالإكراه والإجبار ، ويريد من بعضهم أن ينصروا البعض الآخرين في الإتيان بها ، ويحبّ الناصرين ؛ لأجل أنّ النصرة أيضاً أمر حسن اختياريّ صادر منهم .
فنتيجة الكلام أنّ هنا غرضين ومقصدين إلهيّين : تكويني وتشريعي .
أمّا الأوّل [ فقد ] حقّقه وأجراه اللَّه تعالى بسببين - مع أنّ اللَّه لا يحتاج إلى تسبيب الأسباب والاستعانة بالأدوات والآلات ، إلّاأنّه تعالى أبى في هذا العالم إلّاأن يجرى الأمور بأسبابها - :
أوّلهما : إعطاء الاقتضاء والسببيّة والعلّيّة للأشياء ، فبها جرت الأمور ، وانتظمت شؤون هذا العالم ، ودارت رحاه ، واستقام بقاؤه .
وثانيهما : الملائكة الموكّلين بإدارة رحى الموجودات ، والصافّات صفّاً « 2 »
و
هامش
( 1 ) . تقدّم معنى الأناسي ، ذيل تفسير الآية 42 من سورة آل عمران ( 3 ) . .
( 2 ) . إشارة إلى الآية 1 من سورة الصافّات ( 37 ) . .