تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
إن قلت : ما معنى الذهاب إلى اللَّه والسير نحوه مع أنّه تعالى ليس بجسم ، وليس له مكان ؟ قلت : للإنسان وغيره من المكلّفين سفران إلى اللَّه وسيران وكدحان « 1 » ، مبدؤهما معلوم ، ومنتهاهما لنا مجهول : الأوّل : السفر التكويني الظاهري القهري ، وخطاه في هذا المسير أنفاسه ومضيّ أيّامه ولياليه ، ويشرع فيه الإنسان من حين تكوّنه في الدنيا ووجوده ، سواء أشعر هو بنفسه بهذا السير ، أم لم يشعره حتّى يتمّ عمره ، ويصل إلى جناب عظمة الربّ وساحة لقائه ، واللقاء يشرع فيه من حين الموت ، وتدوم ، وتتزايد آثاره وشؤونه في البرزخ والقيامة ، ويتمّ ويكمل بدخول الجنّة أو النار . وإلى هذا أشير في قوله تعالى : « يأَيُّهَا الْإِنسنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبّكَ كَدْحًا فَمُلقِيهِ » « 2 » . الثاني : السفر المعنوي الاختياري ، وهو قربه إلى اللَّه تعالى قرباً تدريجيّاً بالحسنات من الأعمال ، فكلّ عقيدة حقّة وإذعان قلبيّ صحيح حصّلها في أصوله الاعتقاديّة ، وكلّ أكرومة « 3 » جميلة من خصال النفس وملكاتها اكتسبها ، وكلّ فعلة حسنة من أعمال الأركان عملها ، فهي خطوة منه معنويّة تقربّه إلى اللَّه وسير إراديّ يسعى به إليه ويكدح . ويشرع السائر في هذا السير من حين حصول التمييز له وجودَ قوّة التفكّر والتعقّل فيه ، ولا نهاية له ، ولاحدّ يقف هو عنده ، وحيث إنّه أمر اختياريّ له فربما يتوقّف عن سيره ، وربّما يرجع القهقرى ، ويتباعد عن ربّه ، ولا يمكن تحديد بعده في مرحلة
هامش
( 1 ) . الكَدْح : السعي ، والعناء ، والسعي الشديد في الأمر وجهد النفس فيه ، والمراد هنا السعي وجهد النفس إلى لقاءالربّ تعالى وتقدّس . راجع : المفردات للراغب ، ص 704 ( كدح ) ؛ مجمع البيان ، ج 10 ، ص 697 و 699 ؛ جوامع الجامع ، ج 4 ، ص 465 ، ذيل الآية 6 من سورة الانشقاق ( 84 ) . . ( 2 ) . الانشقاق ( 84 ) : 6 . . ( 3 ) . الاكرومة : المَكْرُمَة ، وهو فعل الكرم . والاكرومة من الكرم كالاعجوبة من العجب . لسان العرب ، ج 12 ، ص 513 ( كرم ) . .