يلق إليهم إلّااموراً ثلاثة : مجيئه بالمعاجز الخمس ، وتصديقه التوراة ، وتحليله بعض المحرّمات ، إلّاأنه عليه السلام قد ذكر ربّه تعالى ، ونبّه قلوب الناس ، وألفتهم إليه في ضمن الآيات الثلاث « 1 » تسع مرّات ، حيث قال : « وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ » ، « أخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ » ، « فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ » ، « وَاحْيِ الْمَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ » ، « إنَّ في ذلِكَ لآيَةً » ، « جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فاتَّقوا اللَّه » ، « إنَّ اللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقيمٌ » ، ولم يخرج الكلام مع هذه التأكيدات عن الفصاحة ، وستعرف أنّها تزداد بذلك بلاغة ، أجل إنّ القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق « 2 » ، أي له فصاحة كاملة وبلاغة تامّة .
وحينئذ نقول : هل النكتة في ذلك تبيان أنّ من وظيفة الأنبياء ، بل كلّ من عليه رسالة إلهيّة وغرض هامّ وهدف أصيل معنويّ ، أن يظهر ذلك منه في جميع أقواله وأفعاله ، ويكون ذلك روح دعوته وحركاته وسكناته ، أو أنّ التأكيدات المذكورة صدرت حفظا للسامعين عن الانحراف في التوحيد وإتماماً للحجّة على من بعدهم ، حيث قالوا بالوهيّة ابن مريم ، « 3 » أو كونه ابن اللَّه ، « 4 » أو كونه ثالث ثلاثة ؟ « 5 » وكلا الأمرين محتملان .
هامش
( 1 ) . هي الآيات 49 - 51 من آل عمران ( 3 ) . .
( 2 ) . اقتباس من الحديث الشريف الذي روي في ذلك . راجع : الكافي ، ج 2 ، ص 598 و 599 ، كتاب فضل القرآن ، ح 2 . .
( 3 ) . إشارة إلى قوله تعالى : « وَإذْ قالَ اللَّهُ يا عيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَ أنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونى وَامِّيَ إلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِقالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لي بِحَقِّ إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما في نَفْسى وَلا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ إنَّكَ أنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ » [ المَائدة ( 5 ) : 116 ] .
( 4 ) . إشارة إلى قوله تعالى : « وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ » [ التوبة ( 9 ) : 30 ] . .
( 5 ) . إشارة إلى قوله تعالى : « لَقَدْ كَفَرَ الَّذينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إلهٍ إلاّ إلهٌ واحِدٌ وَإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أليمٌ » [ المَائدة ( 5 ) : 73 ] . .