الثانية : قوله تعالى : « فَبِظُلْمٍ مّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ » « 1 » .
الثالثة : قوله تعالى : « وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَآ أَوِ الْحَوَايَآ أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ » « 2 » .
فالآية الأولى تدلّ على حلّيّة جميع الطعام لهم قبل نزول التوراة إلّاما حرّمه إسرائيل على نفسه ، ويقال : إنّه كان لحم الإبل ولبنه ، فحرّمهما على نفسه تزهّداً ورغبة عن الدنيا ؛ لأنّهما كانا أحبّ الأطعمة إليه ، والظاهر أنّ الاستثناء منقطع ، فالمعنى أنّ جميع الأطعمة كان حلالًا لبني إسرائيل قبل نزول التوراة إلى موسى .
والثانية تدلّ على حدوث حرمت عدّة أشياء من الطيّبات عليهم بعد نزول التوراة بسبب ظلمهم ، وذلك لأنّه يفهم ممّا قبل الآية أنّ ظلمهم كان عبارة عن سؤال الرؤية « 3 » واتّخاذ العجل « 4 » ومخالفتهم أمر دخول الباب سجّداً « 5 » وغير ذلك ، لكن لم يعلم من الآية أنّ المحرّم ما هو ؟
والثالثة تدلّ على عدّة ممّا حرّمه اللَّه عليهم ، وحيث إنّ جميع ذلك ليس من الطيّبات ، بل ذكر فيه الخبائث والطيّبات كلتيهما ، فلابدّ أن نحمل الطيّب المحرّم في الآية السابقة على الطيّب المفهوم من هذه الآية ، وهو شحوم البقر والغنم ؛ فإنّ الظاهر من هذه الآية أنّ المراد بذي الظفر ما كان له مخلب « 6 » وبرثن « 7 » من سباع البرّ وجوارح
هامش
( 1 ) . النساء ( 4 ) : 160 . .
( 2 ) . الأنعام ( 6 ) : 146 . .
( 3 ) . إشارة إلى الآية 153 من سورة النساء ( 4 ) . .
( 4 ) . إشارة إلى الآيات التالية : البقرة ( 2 ) : 51 و 54 و 92 و 93 ؛ النساء ( 4 ) : 153 ؛ الأعراف ( 7 ) : 152 . .
( 5 ) . إشارة إلى الآيات التالية : البقرة ( 2 ) : 58 ؛ النساء ( 4 ) : 154 ؛ الأعراف ( 7 ) : 161 . .
( 6 ) . المِخْلَب ، بكسر الميم : هو للطائر والسبع كالظفر للإنسان ؛ لأنّ الطائر يُخْلِب بمخلبه الجلد ، أي يقطعه ويمزّقه . راجع : الصحاح ، ج 1 ، ص 122 ؛ المصباح المنير ، ص 176 ( خلب ) . .
( 7 ) . البرثن ، وزان بُنْدُق ، وهو بالثاء المثلّثة : مخلب الأسد ، أو هو للسبع كالإصبع للإنسان ، أو هو الكفّ بكما لها مع الأصابع . وقيل غير ذلك . راجع : لسان العرب ، ج 13 ، ص 50 ؛ المصباح المنير ، ص 41 ( برثن ) . .