تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
الطير وبعض المحلّلات من الوحش ، كالظبى والغزلان ونحوها ممّا يطلق عليه ذو الظفر . وينطبق الأوّل - أعني ذي الظفر - على ما حرّمه شرعنا من سباع الوحوش والطير ، وكلّها من الخبائث ، وكلمة « ذي الظفر » وإن كانت تشمل ذوات الظفر من الأنعام أيضاً كالبقر والغنم والمعز ، إلّاأنّ قوله « مِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ » إلى آخره ، شاهد على عدم إرادتهما . فتحصّل أنّه كان المحرّم عليهم من الطيّبات بظلمهم هو شحم البقر والغنم وبعض ذي الظفر من الوحش المحلّل ، ثمّ أحلّها عيسى عليه السلام لهم ، وبقيت الخبائث على حرمتها . وقوله : « وَجِئْتُكُم بَايَةٍ مّن رَّبّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ » . الآية هنا بمعناها في ما مضى ، والكلام تأكيد ، ولو قلنا بأنّ مجيئه تصديق عمليّ لبشارات التوراة ، وتحليله بعض المحرّمات أيضاً شاهد آخر لما أخبر به موسى وكتابه ، كان الأمران آيتين أخريين ، يشملهما قوله : « وَجِئْتُكُمْ بِآيَة » . وقوله : « فَاتَّقُوا اللَّهَ » ، يراد به التحفّظ والخوف ، كما هو معناه اللغوي ، والمراد بالخوف من اللَّه الخوف من عدله ؛ فإنّه تعالى لا يخاف إلّاعدله ، ولا يرجى إلّافضله ، ويكون من عدله أن يقطع فضله عن الفاسقين بعصيانهم ، أو يعاقبهم بطغيانهم ، فالخوف من عدله ينحلّ إلى الخوف من انقطاع نعمه المادّيّة والمعنويّة في الدنيا ونعمه في الآخرة والخوف من شمول عذابه في الدنيا ، وعذابه في الآخرة . قوله : « وَأَطِيعُونِ » . يراد به الإطاعة في أوامره ونواهيه الإرشاديّة التي حقيقتها حكاية أوامر اللَّه والإخبار بها والإرشاد إليها قضاء لحقّ نبوّته ، والإطاعة في أوامره ونواهيه المولويّة حفظاً لمنصب ولايته التشريعيّة على الامّة . وكيف كان ، فهذه الجملة كأنّها وقعت في طريق تعيين المصداق للتقوى ، وأنّ ذلك لا يتحصّل إلّابهذه . وقوله : « إِنَّ اللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ » . إخبار بأنّ اللَّه سلطان ، له عنوان الربوبيّة للجميع تربية بدنية جسميّة بإعطائه أسباب الحياة الماديّة ، وتربية معنويّة روحيّة بإعطائه العقل الذي هو الرسول الباطني والهادي إلى كلّ ما صلاح والزاجر عن كلّ فساد ، وإرساله الرسل وإنزاله الكتب ، فماذا يبقى من الأعذار للإنسان بعد إعطائه تعالى وسائل الكمال و