تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
أسباب التعالي في شتّى جهاتها ومختلف أبعادها ! ؟ وهذه الجملة في مقام التعليل للزوم التقوى والطاعة ، وإشارة إلى أنّ ذلك قضيّة شكر المنعم ، وأيّ نعمة أفضل وأعلى ممّا أفادته كلمة « الربّ » من النعم البالغة ! ؟ وليعلم أنّ أصول النعم الإلهيّة الواصلة إلينا عن ناحية الربّ تعالى ، الداخلة تحت عنوان ربوبيته ستّة : الأوّل : نعمة الوجود الذي بذله لنا ؛ الثاني : نعمة وسائل حفظ الوجود ، وهي جميع لوازم عيش الإنسان في هذا العالم ؛ الثالث : نعمة العقل وعلومه العارضة له والحاصلة فيه ؛ الرابعة : أنعمة الدين ؛ أعني مجموع البرنامج السماويّة ومناهجها المنزلة على الأنبياء هداية للناس إلى سعادتهم وتبياناً لطرق كمالهم ؛ الخامسة : نعمة التوفيق والتأييد والتسديد في سبيل أخذ الدين والتأدّب بآدابه وشؤونه ونشره في المجامع البشرية ؛ السادسة : نعمة الثواب والأجر المترتّب على العامل للدين جزاءً دنيويّاً أو اخرويّاً . وهذه أصول نعمه تعالى علينا ممّا يمكن لنا تعقلّه ، ويدخل فيها من الفروع ما لا نحصيه ، كيف وقد قال تعالى : « وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَاتُحْصُوهَآ » . « 1 » وقوله : « فَاعْبُدُوهُ » ، بيان لنتيجة ما أفاده معنى ربوبيّته وما يقتضيه عقلًا ونقلًا ، وإشارة إلى لزوم المجاهدة في مرحلة القوّة العمليّة ، كما أنّها الواجبة في مرحلة القوّة النظريّة . قوله : « هذَا صِرَ طٌ مُّسْتَقِيمٌ » . كلمة « هذا » إشارة إلى الكمال الحاصل بسبب الاعتقاد باللَّه تعالى والحاصل بعبادته ، وذلك صراط الأنبياء والملائكة والصالحين من عباده . ثمّ إنّك أيّها المتدبّر في كلمات اللَّه تعالى ، لو أمعنت النظر في هذه الآيات الثلاث ، وتأمّلت في ما حكاه اللَّه عن ابن مريم في مقام مخاطبته مع قومه ، لرأيت جهرة أنّه لم
هامش
( 1 ) . النحل ( 16 ) : 18 . .