والحوادث والمواعظ والأمثال والزواجر ، لكنّ النصارى غيّروا ذلك بعد رفعه ، فاتّخذوا الأحد بدل السبت ، وصلّوا نحو المشرق ، وحملوا الختان على ختان القلب عن علائق الدنيا ، وأحلّوا لحم الخنزير ، مع أنّ مرقس حكى في إنجيله أنّ المسيح أتلف الخنزير ، وأغرق منه في البحر قطيعاً كبيراً . « 1 » والعلّة في تحليلهم نقلهم أنّ بطرس رأى في المنام صحيفة نازلة من السماء ، وفيها صور الحيوانات وصورة الخنزير ، وقيل له : يا بطرس كل منها ما أحببت . « 2 »
ثانيهما : أنه قد نسخ منه شيئاً كثيراً ، منه نسخ السبت ووضع الأحد مكانه وغير ذلك .
ولا يخفى عليك عدم وجود دليل سديد على أحد القولين والمذهبين ،
وقوله : « وَلأِحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ » لا يدلّ على الثاني ؛ إذ من المحتمل كون ما أحلّه عيسى ممّا حرّمته السنّة الموسوية ، لا كتاب التوراة .
ثمّ إنّ التوراة كانت في عصر عيسى أيضاً ممّا لعبت بها أيدي التحريف ، فتصديق عيسى لها إمّا يكون كتصديق نبيّنا صلى الله عليه وآله لها ، أو يكون المراد التوراة الواقعية التي علّمها اللَّه لعيسى .
وقوله تعالى : « وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِى حُرّمَ عَلَيْكُمْ » ؛
الآية تصرّح بأنّ عيسى عليه السلام قد أحلّ لبني إسرائيل بعض المحرّمات التي سبقت حرمتها على مجيء عيسى عليه السلام ، فالذاهب إلى أنّ عيسى لم يأت بشيء يخالف التوراة ، ولم ينسخ من دين موسى شيئاً حمل الآية على ما غيّره علماء التوراة وحرّموه على الناس من عند أنفسهم تشبيهاً أو اجتهاداً ، والقائل بخلاف ذلك - كما عرفت - حمل الآية على موارد النسخ .
ثمّ انضمام الآيات الثلاث التالية توضح لك ما حرّمته التوراة على بني إسرائيل وعلّة تحريمه ، فتدبّر فيها حتّى تعرف مورد تحليل عيسى عليه السلام : الآية
الأولى : « كُلُّ الطَّعَامِكَانَ حِلًّا لّبَنِى إِسْرَ ءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَ ءِيلُ عَلَى نَفْسِهِى مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَلةُ » « 3 » .
هامش
( 1 ) . راجع : الكتاب المقدّس ( العهد الجديد ) ، ص 63 . .
( 2 ) . راجع : الكتاب المقدّس ( العهد الجديد ) ، ص 208 . .
( 3 ) . آل عمران ( 3 ) : 93 . .