الإنسان موجوداً باقتضاء الفطرة ، لم يبطل ولم يزل بغلبة الهوى ومعاندة الحقّ والعصبيّة العمياء والضلالة والانحراف بعد تماميّة الحجج والبيّنات ، كما في غالب أفراد الإنسان من كفّارهم وفسّاقهم وإن خفي تحت أستار الجهل والغفلة واتّباع الشهوات ، فهو بعد سماع دعوة الأنبياء وعرض الحقائق الدينيّة والمعارف العقليّة عليه ينتبه ويستيقظ ، فيؤمن ويتّقى ، فإيمانهم وتقواهم بالاستعداد والفطرة يبلغ مرتبة الفعلية بالهداية وإراءة الآيات والحجج .
وقد يتّفق أنّه بعد سماع الحقّ تحت سلطان الشهوات وحبّ الرياسات ودعوة شياطين الإنس والجنّ ، يغلب الهوى على القوّة العاقلة ، فتصير محجوبة مستورة تحت أستار العناد والعصبية ، فكأنّهم ليسوا بمتّقين ولا مؤمنين ، فلا تؤثّر فيهم هداية الربّ تعالى ولا دعوة رسله ولا إبلاغ المواعظ والزواجر .
ثمّ إنّ هنا اموراً :
الأوّل : أنّ اللَّه تعالى قد ذكر لعيسى بن مريم في المقام من خارق العادات اموراً خمسة ، وجعل الأوّل منها إحياء الصورة المصنوعة بالنفخ ، وقدّمه تعالى في الذكر على إحياء الموتى ، وذلك لوضوح أنّ إحياء الجسم الجماد من غير سبق وجود حياة فيه وإعطاء الروح له عملٌ أقوى في مقام الإعجاز من ردّ الروح إلى البدن ومستقرّه السابق كما هو مفاد إحياء الموتى .
الأمر الثاني : أنّ عيسى قيّد القسمين من تلك المعاجز ب قوله : « بِإِذْنِ اللَّهِ » دون الثلاثة منها ، وذلك لأجل أنّ توهّم الالوهيّة في الفاعل في ذينك القسمين أقوى عند عوام الناس والبسطاء وذوي العقول الساذجة منهم ؛ فإنّ شفاء العين وشفاء الأبرص والإنباء عن المغيبات أمر قد يقع من بعض الأطبّاء وبعض أهل الرياضات وغيرهم وإن كان الحقّ أنّ جميع تلك الأمور قد صدرت من عيسى عليه السلام بنحو الإعجاز وخرق الطبيعة والعادة ، لا بالأسباب العاديّة .
الأمر الثالث : أنّه نقل صاحب المنار عن أستاذه عدم دلالة الآية الشريفة على وقوع
تفسير مبسوط — صفحة 113
مساهمون: الشيخ علي المشكيني
ص١١٣