وكان للنبيّ الأعظم والأئمّة نوع سلطنة عليها وعلى الملائكة الموكّلين بتدبير أمرها ، تسمّى بالولاية التكوينيّة ، فيمكن كون الآية ناظرة إلى ذاك المنصب ووجود تلك الولاية ، أو نحو خاصّ منها في عيسى بن مريم .
قوله تعالى : « وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ » . هل كان إخباره عمّا يأكله ويدّخره فرد أو أفراد مخصوصون ، كزيد وعمرو مثلًا ؟ أو كان عن حال أُمّة وجماعة ، كأهل قرية أو بلد أو بلدان ؟ وهل كان الخبر عن واقعة واحدة ، أو حال يوم أو ليلة ، أو عن حال شهر أو سنة أو أكثر ؟ وهل المراد بالأكل خصوص معناه المتعارف ، أو المراد به مطلق التصرّف كما في قوله تعالى : « وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَ لَكُم بَيْنَكُم بِالْبطِلِ » « 1 » وإن كان بعيداً ؟
فعلى العموم من ناحية الأكل والآكل والمأكول والزمان ، يكون المعنى أنّه عليه السلام كان يخبر مثلًا بأنّ أهل هذه البلدان يصرفون في هذه السنة ممّا أفادوه فيها هذا المقدار ، ويدّخرون هذا المقدار بحيث يبقى زائداً عن مؤنة سنتهم ، أو كان يخبر بأنّ احتياجهم من المؤنة في هذه السنّة إلى هذا المقدار ، وقد ادّخروا هذا المقدار .
وعلى أي حال فقد جعل اللَّه تعالى إنباء عيسى بما يأكلون ويدّخرون من جملة معجزاته في قبال إحياء الهيئة المصنوعة بالنفخ وإحياء الأموات وغيرهما ، وحيث إنّ ذلك من الموضوعات الخارجيّة لا الأحكام فيعلم منه أنّ علم الأنبياء بالموضوعات ليس من لوازم نبوّاتهم ، بل هو أمر آخر قد يعطون بعنوان الآية المثبتة لدعوتهم ، كما يمكن استظهار ذلك في حقّ نبيّنا الأعظم من آيات :
منها : قوله تعالى : « قُل لَّآأَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآلنُ اللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ إِنّى مَلَكٌ » « 2 » ، ونظيره قول نوح عليه السلام . « 3 »
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 188 .
( 2 ) . الأنعام ( 6 ) : 50 . .
( 3 ) . وهو قوله تعالى : « وَلا أقُولُ لَكُمْ عِنْدى خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أقُولُ إنّى مَلَكٌ » . هود ( 11 ) : 31 . .