صدور هذا القسم عن غير اللَّه تعالى أيضاً ، فالناس خالقون بهذا المعنى ؛ قال اللَّه تعالى :
« فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخلِقِينَ » « 1 » .
فمن مصاديق هذا الخلق قوله تعالى :
« خَلَقَ الْإِنسنَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ » « 2 » ؛
« وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ » « 3 » ؛
« وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مّن مَّآءٍ » « 4 » ؛
« وَخَلَقَ الْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مّن نَّارٍ » « 5 » ؛
« أَنَا خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُو مِن طِينٍ » « 6 » .
وقد يطلق الخلق في الكتاب الكريم ويراد به الأعمّ من القسمين ؛ قال تعالى :
« وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُو تَقْدِيرًا » « 7 » ، فالخلق هنا يراد به الأعم ممّا أبدعه اللَّه وأنشأه من العدم وما قدّره اللَّه وصوّره ، وكلّ واحد منهما إمّا بالاستقلال وبلاوساطة وسبب ، أو بالواسطة والتسبيب ، وبهذا المعنى ينسب كلّ خلق إليه تعالى ، وينبغي على هذا استثناء أعمال العباد من ذلك وما اخترعوه من الأمور المحرّمة ، كالصنم والصليب والمزامير « 8 » وسائر آلات اللهو وآلات القمار ونحوها .
ثمّ إنّه قد علم من ذلك أنّ خلق الطير من قبيل القسم الثاني ، وهو خلق الهيئة من المادّة ؛ أعني التقدير والتصوير كما يدلّ عليه قوله « مِنَ الطِّينِ » .
قوله تعالى : « فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرَما بِإِذْنِ اللَّهِ » . هل النفخ في الشكل المصنوع ، نظير من يقرأ سورة الحمد ، فينفخ في جيب المريض ، فيحصل له الشفاء ، فالإعجاز حينئذ
هامش
( 1 ) . المؤمنون ( 23 ) : 14 . .
( 2 ) . النحل ( 16 ) : 4 . .
( 3 ) . الأنبياء ( 21 ) : 33 . .
( 4 ) . النور ( 24 ) : 45 . .
( 5 ) . الرحمن ( 55 ) : 15 . .
( 6 ) . الأعراف ( 7 ) : 12 ؛ ص ( 38 ) : 76 . .
( 7 ) . الفرقان ( 25 ) : 2 . .
( 8 ) . المزامير : جمع المِزْمار ، وهي الآلة التي يُرْمَزُ بها ، أي يتغنّى بها ، من الزمر ، وهو التغنية بالنفخ في القصب ونحوه . راجع : لسان العرب ، ج 4 ، ص 327 ( زمر ) . .