غيرهم ، بل كان مقتضى الصلاح في غيرهم العمل بالأوّل دون الثاني ، ولذلك لم يكن ينسخ اللَّه الأوّل بالكلّيّة ، ولم يأمر حسب الشرع الناسخ بإبلاغه إلى جميع الامّة التي بلغهم الشرع الأوّل .
وحاصل هذا البيان أنّه كان يتّفق وجود شرعين في عصر واحد من عند اللَّه :
أحدهما ناسخ ، والآخر منسوخ إلّاأنّ النسخ إضافيّ ونسبيّ يختصّ بامّة خاصّة ومكان محدود .
وهنا أمر آخر ، وهو أنّ الظاهر أنّ غالب الشرائع السابقة - لو لم يكن جميعها - لم يكن ذا أبعاد وجهات شاملًا على جميع شؤون الحياة ، بل كان مشتملًا على أحكام معدودة محدودة تتكفّل تكميل جهة من الجهات بمقتضى غلبة رسوم منكرة وعادات ورذائل ، كما في شريعة موسى ؛ فإنّ بني إسرائيل لمّا أسروا ووقعوا تحت سيطرة فرعون وملائه فصاروا أذلّاء مغلوبين ، بعث اللَّه إليهم موسى لانجائهم عن العبوديّة ، وكان القسم المعظم من أحكام شرعه ناظراً إلى الجهاد واستخلاص أنفسهم من أيدي الظلمة واستقلالهم في الملك والسلطنة ، بل التسلّط والحكومة على غيرهم .
فلمّا أهلك اللَّه عدوّهم وأورثهم الأرض مشارقها ومغاربها ، أنتج ذلك طغيانهم ، فأفسدوا في الأرض ، وعتوا عتوّاً كبيراً ، ومالوا إلى الولايات والمناصب واتّباع الشهوات والفجور والمنكرات .
فغلبت عليهم محبّة الدنيا وزينتها وزخارفها ، فاقتضت عناية الربّ الرؤف أن يبعث إليهم من يسدّهم عن حبّ الشهوات ، ويهديهم إلى ذكر اللَّه وأمر الآخرة ، ويردّهم عن طريق المتاهة والعتوّ إلى التسليم للَّهو الخضوع لسلطانه وترك الشهوات ، فبعث اللَّه إليهم عيسى ، ووهبه شريعة وكتاباً كان أكثر مندرجاته الترغيب إلى الزهد وترك الدنيا والشهوات وترك الملاذّ ورفض النساء والترهب في الدين والاشتغال بالعبادة في الكنائس والصوامع ، وحيث إنّ غلبة تلك المفاسد والشهوات لم تكن في جميع الأمكنة التي سرت إليها أحكام التوراة ، كان ناسخيّة شرع موسى مختصّة بالمَحالّ المحتاجة إلى ذلك ، فصار الشرعان ثابتين في عصر واحد بلا منافاة بين الناسخ والمنسوخ .
تفسير مبسوط — صفحة 102
مساهمون: الشيخ علي المشكيني
ص١٠٢