بعد غلبة بعض الملوك على بني إسرائيل وهدمه بيت المقدس والمسجد الأقصى وإحراقه كتب اليهود ونسخ التوراة ، ومن جملتهم بخت النصر ملك بابل ، حيث تسلّط عليهم ، وقتلهم تقتيلًا ، وأسر الباقين ونقلهم إلى بابل ، وأحرق التوراة وغيرها ، ثمّ إنّ عزيراً وزكريّا - وهم من جملة الأنبياء - عزموا بعد برهة من الزمان على جمعها وتأليفها ، فألّفوها ونظموها نظماً ، ثمّ فقد ذلك أيضاً في الحوادث المتأخّرة النازلة على بني إسرائيل .
وبالجملة ليست التوراة الفعلية نفس ذلك الكتاب المنزل من عند اللَّه ولا غيرها بالكلّية ، بل فيها شيء من ذلك وأشياء من غيرها بعدما لعبت بها أيدي التحريف ، فهي مركبة من حقّ وباطل وضغث « 1 » من اللَّه وضغث من الشيطان ، والتوراة الموجودة بالفعل تشتمل على أسفار خمسة .
والإنجيل في اللغة البشارة ، وفي اصطلاح الكتاب الكريم مجموع الكتاب السماويّ المنزل على عيسى بن مريم الذي وقع فيه البشارة أو البشارات بمجيء النبيّ الأعظم محمّد صلى الله عليه وآله ؛ قال تعالى : « وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يبَنِى إِسْرَ ءِيلَ إِنّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَلةِ وَمُبَشّرَما بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنم بَعْدِى اسْمُهُو أَحْمَدُ » « 2 » .
وعمدة مباحث هذا الكتاب عبارة عن قصص ووقائع وقعت بعد غيبة عيسى وعن تراجم حال عيسى وعاداته وأقواله وأفعاله وما ظهر منه من خوارق الأمور والمعجزات ، ولا تعرّض فيه لشيء من الأحكام الشرعية إلّابنحو الندرة ، وهذا أيضاً كالتوراة لم تسلم من لعب يد التحريف به ، بل صار أمره أفظع من التوراة ؛ فإنّه بعد ما رفع اللَّه إليه نبيّه عيسى ، وقبض التوراة منهم معه ألّف كل واحد من تلامذته ممّا كان في ذكره من الإنجيل وما سنح بخاطره من ألفاظه ومقاصده ، ثمّ خلط به من نفسه ما شاء من القصص والحوادث وغيرها ممّا يرى في الأناجيل الفعليّة ، فأخرجه للناس قائلا :
هامش
( 1 ) . ضغث ، أي قطعة ، وهو في الأصل : قبضة حشيش مختلط رطبها بيابسها ، أو ملء الكفّ من قضبان أو حشيش أوشماريخ ، وقيل غير ذلك . راجع : لسان العرب ، ج 2 ، ص 164 ؛ المصباح المنير ، ص 362 ( ضغث ) . .
( 2 ) . الصفّ ( 61 ) : 6 . .