فروعيّة وغيرها ، فيسمّى عندئذ بالشريعة كما عرفت ، فقد تصوّر في زمان نوح النبيّ بصورة خاصّة ، وهي شريعة نوح ، وفي كلّ واحد من أزمنة إبراهيم وموسى وعيسى بصورة شرائعهم ، وفي كلّ ذلك كان يرد عليه التغيّر والزيادة والنقصان وتبادل حكم بآخر وتغيير قانون بقانون يماثله ، أو يضادّه على حسب اقتضاء الصلاح وتوافق حال الامّة .
وإن شئت قلت : إنّ للدين مادّة أصلية وهيئة عرضيّة تعرضها بانضمام أحكام غير أصيلة ، فتزيد وتنقص وتتغيّر وتتكامل مع بقاء المادّة على حالها في جميع أطوارها وأحوالها ، والمادّة هي الأصول الاعتقاديّة الأوّليّة من التوحيد والنبوّة والمعاد وعدّة من الفروع العمليّة الركنيّة التي تستقلّ بها العقول وتحكم بحسنها أو قبحها ، كبرّ الوالدين والإنفاق على المحاويج والصدق في الكلام والوفاء بالوعد ، وكذا الظلم بالوالدين والضعفاء والكذب والغدر وقتل النفس بغير علّة ونحو ذلك ، وقد مرّ بعض منها آنفاً تحت عنوان الحكمة .
ثمّ إنّ النسخ الذي اعترفنا بعروضه للشرايع على قسمين : نسخ خاصّ إضافيّ ونسخ عامّ حقيقيّ ، وكلّ شريعة ناسخة غير الأخيرة ، يكون نسخها لسابقها خاصّاً إضافيّاً ، والشريعة الأخيرة عامّ حقيقيّ ، وذلك لأنّ الظاهر أنّه لم يكن بعث الأنبياء والمرسلين - سواء في ذلك أصحاب الشرايع منهم وغيرهم - بعثاً عامّاً شاملًا لجميع الأزمان بمعنى اشتراط بلوغ دينهم إلى جميع العالمين وإبطال ما سبقه من الشرايع في جميع الأمكنة ، بل كانوا مبعوثين إلى جماعة خاصّة وامّة معيّنين غير مشروط بهم ولا بالتسرية إلى غيرهم ، فكانت الشريعة المرسل بها مطلقة غير مشروطة بالسراية ولا بعدمها ، فإلى أيّ مكان ومحلّ سرت ونفذت لم يكن بها بأس ، وأيّة طائفة اطّلعت عليها وقبلتها وتديّنت بها كانوا مثابين مأجورين .
فقد يتّفق قبول قوم لها وعملهم بها وتكاملهم في مراتب الإنسانيّة ، فيستحقّون شريعة أخرى أكمل وأتمّ على حسب رقاهم وكمالهم ، كما كان ذلك عادة اللَّه تعالى في خلقه في تلك العصور ، فتنزل شريعة أخرى ناسخة للُاولى إلّاأنّه كان استعداد التكامل واستحقاق الشرع الجديد مخصوصاً بمكان خاصّ وجماعة معيّنين لا يتعدّاهم إلى
تفسير مبسوط — صفحة 101
مساهمون: الشيخ علي المشكيني
ص١٠١