هو من عند اللَّه ، وما هو من عند اللَّه ، ومدّعياً أنّه هو المنزل على عيسى بن مريم ، فكثرت تلك التآليف حتّى جاوزت المأة .
ثمّ أنّه اجتمع أصحاب الكنائس من علماء النصارى ، فتشاوروا وتفكّروا وتأمّلوا في أمر الأناجيل ، فاختاروا منها أربعة وأمضوها وعرّفوها بأنّها كتب سماويّة ، وأسقطوا غيرها عن الاعتبار وأفتوا ببطلانه ، ومن جملة ما حكموا بعدم اعتباره إنجيل برنابا ، وكان الملاك في القبول والردّ ميولهم وأهواؤهم واقتضاء رئاساتهم وسياساتهم .
وقوله تعالى : « وَرَسُولًا إِلَى بَنِى إِسْرَ ءِيلَ » . ظاهر الآية الشريفة اختصاص رسالة عيسى ببني إسرائيل ، وقد يدّعى عمومها لجميع الناس الموجودين في ذلك العصر ، بل المعدومين منهم إلى زمان بعثة النبيّ الأعظم محمّد صلى الله عليه وآله .
وتوضيح المطلب يحتاج إلى تقدمة ، وهي أنّ الدين في بعض إطلاقاته أو كثير منها عبارة عن القدر المشترك بين الشرايع السماويّة المنزلة على الأنبياء عليهم السلام ، وحقيقته التسليم للَّهتعالى قلباً وعملًا في ما أمر بالاعتقاد به والعمل له ، وهذا المعنى هو روح الشرايع ولبّها وحقيقتها الثابتة الباقية بمرّ الدهور مع تبادل التشريعات وتغيّر الشرايع ، فالدين واحد ، والشرايع مختلفة ، والدين ثابت لا يتطرّق إليه النسخ والفناء والزوال ، والشرايع تكون منسوخة وناسخة . وقد يطلق الدين على نفس الشريعة الخاصّة ، كما أنّه قد يطلق على الجزاء وعلى الطاعة أيضاً ؛ قال تعالى :
« إِنَّ الدّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلمُ » « 1 » ، أي الدين حقيقته وجوهره التسليم للَّهباطناً وظاهراً .
وقال تعالى حكاية عن إسرائيل : « يبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ » « 2 » ، ويظهر منها أنّ الدين هو التسليم .
وقال تعالى : « وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ » « 3 » ، أي لا يقبل من أحد غير التسليم للَّه ، وغيره هو الكفر والشرك والنفاق .
ثمّ إنّ الدين يتشكّل في كلّ عصر وزمان بصورة خاصّة من أحكام اصوليّة
و
هامش
( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 19 . .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 132 . .
( 3 ) . آل عمران ( 3 ) : 85 . .