أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ
( آل عمران : 7 ) أي وأما غيرهم فيؤمنون به ويكلون معناه إلى ربهم . ويدل على ذلك قوله تعالى :
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
( آل عمران : 7 ) أي كل من المتشابه والمحكم من عند اللّه تعالى ، والإيمان بهما واجب ، فكأنه قيل : وأما الراسخون في العلم فيقولون وعلى هذا فالوقف على إلا اللّه ، وهذا المعنى هو المشار إليه في آية البقرة السابقة فتأملها . وقد تأتى لغير تفصيل نحو : أما زيد فمنطلق ، وأما التوكيد فقلّ من ذكره . وقد أحكم الزمخشري شرحه ، فإنه قال : فائدة أما في الكلام أن تعطيه فضل توكيد ، تقول ذاهب ، فإذا قصدت توكيد ذلك ، وأنه لا محالة ذاهب ، وأنه بصدد الذهاب ، وأنه منه عزيمة ، قلت :
أما زيد فذاهب . ولذلك قال سيبويه في تفسيره : مهما يكن من شئ فزيد ذاهب ، وهذا التفسير مدل بفائدتين : بيان كونه توكيدا ، وأنه في معنى الشرط . انته .
شرح
( والراسخون ) هو المقابل سقطت منه ، أما والفاء لا أنه محذوف للدلالة عليه بقوله : ( والراسخون ) إلخ كما هو مدعاه أولا فتأمل . قوله : ( وعلى هذا ) أي كون قوله : ( والراسخون في العلم ) إلخ في موضع القسم الثاني قائما مقامه فالوقف على إلا اللّه لأن الراسخين عليه لا يؤولون فيكون قوله : ( والراسخون في العلم ) إلخ منقطعا عما قبله ، ويؤيده قراءة ابن مسعود أن تأويله إلا عند اللّه بأن النافية ، وقراءة أبى وابن عباس في رواية طاوس عنه ويقول : الراسخون ، ويؤيد مقابله أن الراسخ لو لم يعلم المتشابه لم يكن لقيد الرسوخ فائدة لاشتراك أهل أصل العلم بل الإسلام مطلقا في هذا الحكم إلا أن يقال : خص الراسخين بالذكر لأنهم أثبت على هذا الحكم ، قال الشمنى قال السعد : والحق أنه إن أريد بالمتشابه ما لا سبيل إليه للمخلوق فالحق الوقف على قوله : إلا اللّه وإن أريد به ما لا يتضح بحيث يتناول المجمل والمؤول فالحق العطف اه .
قوله : ( وهذا المعنى ) أي كون الذين في قلوبهم زيغ يتبعون ما تشابه منه وغيرهم يؤمنون بأنه من عند اللّه هو المشار إليه في آية البقرة يعنى فأما الذين آمنوا فيعلمون إلخ ، وعبر بالإشارة لعدم صراحة آية البقرة في المعنى المذكور لأن انقسام الناس فيها إلى قسمين في خصوص ضرب المثل بالبعوضة فما فوقها ، وبه يعلم ما في كلام شيخنا من المؤاخذة ، ثم هذا يقتضى أن المتبعين للمتشابه كفار لتصريح آية البقرة بالكفر وهو محمول على من وجد منه في اتباعه المتشابه وتأويله كفر ولهذا كله قال فتأملها . قوله : ( وقد تأتى لغير تفصيل ) أي لا لفظا ولا تقديرا ، ومن التزم فيها التفصيل وقدر في نحو : أما زيد فقائم فقد تكلف . قوله : ( شرحه ) أي بيانه . قوله : ( فضل توكيد ) أي توكيدا فاضلا . قوله : ( وأنه بصدد الذهاب إلخ ) هذا يوهم أن الذهاب لم يحصل بالفعل وهو خلاف ظاهر ذاهب . قوله : ( عزيمة ) أي لا بد منه . قوله : ( قلت أما زيد فذاهب ) وجه التوكيد أن المعنى مهما يكن من شئ فزيد ذاهب فقد علق ذهابه على وجود شئ ما وهو محقق ، والمعلق على المحقق محقق ، ولذا رجحوا في بعد التي في الخطب أن تكون من متعلقات الجزاء لأن إطلاق الشرط بالكلية أنسب بغرض التأكيد لأنه أعظم تحققا ، وأيضا لا داعى لتقييد الشرط ببعدية البسملة والحمدلة بخلاف الجزاء فيدعو لتقييده امتثال الحديث . قوله : ( في تفسيره ) أي تبين حاصل معناه لما يأتي في الشرح .
قوله : ( مدل ) أي مفصح .