التحذير والإغراء
التحذير تنبيه المخاطب على أمر مكروه ليجتنبه والإغراء تنبيهه على أمر محمود ليفعله ، وإنما ذكر ذلك بعد باب النداء لأن الاسم في التحذير والإغراء مفعول به بفعل محذوف لا يجوز إظهاره كالمنادى على تفصيل يأتي . واعلم أن التحذير على نوعين : الأول : أن يكون بإياك ونحوه .
والثاني : بدونه فالأول يجب ستر عامله مطلقا كما أشار إليه بقوله : ( إياك والشر ونحوه ) أي نحو
شرح
التحذير والإغراء
قال في النكت : جمعهما في باب واحد لاستواء أحكامهما ، وكان ينبغي تقديم الإغراء على التحذير لأن الإغراء هو الأحسن معنى ، وعادة النحويين البداءة به كما يقولون نعم وبئس ، وتقول الناس الوعد والوعيد والثواب والعقاب ونحو ذلك ولا ترى طباعهم العكس اه . ولك أن تقول : إنما قدموا التحذير لأنه من قبيل التخلية والإغراء من قبيل التحلية ثم هما وإن تساويا حكما مفترقان معنى فالإغراء التسليط على الشئ والتحذير الإبعاد عنه . ويشتمل التحذير على محذر بكسر الذال وهو المتكلم ومحذر بفتحها وهو المخاطب ومحذر منه وهو الشر مثلا كذا في الغزي ومثله يجرى في الإغراء . وقوله : وهو المخاطب اقتصر عليه مع أنه قد يكون المتكلم والغائب لأن تحذيرهما شاذ كما سيأتي . قال شيخ الإسلام : التحذير يكون بثلاثة أشياء : بإياك وأخواتها وبما ناب عنهما من الأسماء المضافة إلى ضمير المخاطب نحو نفسك ، وبذكر المحذر منه نحو الأسد وسيأتي بيانها في كلامه .
قوله : ( تنبيه المخاطب ) اقتصر على المخاطب مع أن التحذير يكون لغيره لأن تحذيره هو الكثير المقيس ، فقصد الشارح تعريف هذا النوع منه فقط . قوله : ( على أمر مكروه ) ولو في زعم المحذر فقط أو المخاطب فقط . أفاده سم . قوله : ( ليجتنبه إلخ ) بقي تنبيه المخاطب على أمر مذموم ليفعله وتنبيهه على أمر محمود ليجتنبه ، والظاهر عندي أن الأول من الإغراء والثاني من التحذير ، وإنما لم يذكرهما الشارح لأنهما لا ينبغي صدورهما من العاقل . بقي أن تعريف التحذير يشمل نحو : لا تؤذ أخاك ولا تعص اللّه ، وظاهر ما قلناه قريبا عن شيخ الإسلام خلافه ، وتعريف الإغراء يشمل نحو : أحسن إلى أخيك وأطع اللّه واصبر . وفي كون كل ذلك ونحوه يسمى إغراء اصطلاحا بعد . فتأمل . قوله : ( محمود ) فيه ما مر في نظيره وكان الأحسن في المقابلة أن يعبر بالمكروه والمحبوب أو بالمذموم والمحمود . قوله : ( بعد باب النداء ) أي حقيقة أو صورة ليشمل الاختصاص . قوله : ( على تفصيل يأتي ) حاصله أن محل الوجوب إذا كان التحذير بإيا ونحوه أو بغيره مع العطف أو التكرار .
قوله : ( يجب ستر عامله ) أي حذفه . قال البعض مقدرا بعد إياك إذ لا يتقدم الفعل مع انفصال الضمير وفيه أنهم ذكروا من أسباب الانفصال حذف الفعل وتأخره ولا مانع أن يكون سببه هنا الحذف بل صرح به بعضهم فالفعل المقدر يجوز تقدمه مع انفصال الضمير ، وما ذكره من عدم جواز تقدمه مع انفصال الضمير إنما هو في الفعل الملفوظ به فما علل به تقدير الفعل بعد إياك لا ينهض . والتعليل الصحيح ما في الدمامينى ونصه : تقدير الفعل بعد إياك واجب إذ لو قدر مقدما للزم أن يكون أصله