بكلّ تداوينا فلم يشف ما بنا * على أنّ قرب الدّار خير من البعد
على أنّ قرب الدار ليس بنافع * إذا كان من تهواه ليس بذى ودّ « * »
( بعن تجارزا عنى من قد فطن . وقد تجى ) عن ( موضع بعد و ) موضع ( على ، كما على موضع عن قد جعلا ) كما رأيت . وجملة معاني عن عشرة أيضا اقتصر منها الناظم على هذه الثلاثة :
الأول : المجاوزة وهي الأصل فيها . ولم يذكر البصريون سواه ، نحو : سافرت عن البلد ورغبت عن كذا . الثاني : البعدية وهو المشار إليه بقوله : وقد تجى موضع بعد ، نحو :
عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ
[ المؤمنون : 40 ]
لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ
[ الانشقاق : 19 ] أي حالا بعد حال .
شرح
يكون بمعنى تزيد وتفضل وهو بهذا المعنى يتعدى بعلى كما في القاموس ، وهذا ما ظهر لي في وجه النظر ولا يخفى حسنه على غيره مما قيل هنا . قوله : ( والإضراب ) أي عماتوهمه الجملة قبلها وهو من عطف اللازم وهو إضراب إبطالى فإن قوله : على أن قرب الدار خير من البعد أبطل به ما يوهمه قوله فلم يشف ما بنا من تساوى القرب والبعد من كل وجه ، وقوله على أن قرب الدار ليس بنافع أبطل به ما توهمه الجملة قبله من أن القرب مطلقا خير من البعد ، وعلى التي بهذا المعنى يحتمل أن تكون غير متعلقة بشيء لكونها بمنزلة حرف الاستدراك والإضراب كما قيل بذلك في حاشا الجارة ، ويحتمل أن الجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف أي والتحقيق كائن على أن إلخ لأن ما قبلها وقع لا على وجه التحقيق . قوله : ( وقد تجى عن موضع بعد ) قال أبو حيان : يلزم أن تكون حينئذ ظرفا ولا أعلم أحدا قال إنها اسم إلا إذا دخل عليها حرف الجر همع . قوله : ( كما على إلخ ) فيه وصل ما المصدرية بجملة اسمية وهو جائز وإن كان قليلا . قوله : ( كما رأيت ) أي في قوله :إذا رضيت عليّ بنو قشيرقوله : ( المجاوزة ) هي بعد شيء مذكور أو غير مذكور عما بعدها بسبب الحدث قبلها ، فالأول نحو : رميت السهم عن القوس أي جاوز السهم القوس بسبب الرمي . والثاني نحو : رضى اللّه عنك أي جاوزتك المؤاخذة بسبب الرضا ، ثم المجاوزة تارة تكون حقيقية كهذين المثالين وتارة تكون مجازية نحو : أخذت العلم عن عمرو كأنه لما علمت ما يعلمه جاوزه العلم بسبب الأخذ ، هذا ملخص ما أفاده سم . ومن المجازية سألت زيدا عن كذا كأنه لما عرفك المسؤول بالمسؤول عنه جاوزه المسؤول عنه بسبب السؤال . وأنت خبير بأن هذا إنما يظهر إذا أفاد المسؤول المسؤول عنه لا إذا لم يفده وأن المناسب لهذا المثال جعل البعد للمجرور عن الشيء لا جعل البعد للشيء عن المجرور فلا يلائم تعريفهم المجاوزة هذا المثال فاعرف ذلك .
قوله : ( ولم يذكر البصريون سواء ) وتكلفوا لها في المحال التي لا تظهر فيها المجاوزة معنى يصلح
هامش
( * ) البيتان من الطويل ، وهما ليزيد بن الطترية في ديوانه ص 82 ، وذيل الأمالي ص 104 ، وللمجنون في ديوانه ص 89 ، ولعبد اللّه بن الدمينة في ديوانه ص 82 ، وشرح شواهد المغنى 1 / 425 ، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب 1 / 454 ، ومغنى اللبيب 1 / 145 .