ومراد هذا القائل كاد . ومن زعم هذا فليس بمصيب بل حكم كاد حكم سائر الأفعال ، وأن معناها منفى إذا صحبها حرف نفى وثابت إذا لم يصحبها . فإذا قال قائل : كاد زيد يبكى فمعناه قارب زيد البكاء ، فمقاربة البكاء ثابتة ونفس البكاء منتف ، وإذا قال : لم يكد يبكى فمعناه لم يقارب البكاء ، فمقاربة البكاء منتفية ونفس البكاء منتف انتفاء أبعد من انتفائه عند ثبوت المقاربة ، ولهذا كان قول ذي الرمة :
« 252 » - إذا غير النأى المحبين لم يكد * رسيس الهوى من حب مية يبرح
صحيحا بليغا لأن معناه إذا تغير حب كل محب لم يقارب حبى التغير ، وإذا لم يقاربه فهو بعيد منه فهذا أبلغ من أن يقول لم يبرح لأنه قد يكون غير رباح وهو قريب من البراح بخلاف المخبر عنه بنفي مقاربة البراح . وكذا قوله تعالى :
إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها
[ النور : 40 ] هو أبلغ في نفى الرؤية من أن يقال لم يرها لأن من لم ير قد يقارب الرؤية بخلاف من لم يقارب . وأما قوله تعالى :
فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ
[ البقرة : 71 ] فكلام تضمن كلامين مضمون كل واحد منهما في وقت غير وقت الآخر . والتقدير : فذبحوها بعد أن كانوا بعداء من ذبحها غير مقاربين له .
وهذا واضح واللّه أعلم .
شرح
ضمير يفعلون عائد لضمير كادوا كما هو القاعدة من رجوع ضمير من الخبر إلى الاسم . قال يس : ولا مانع من كون مرجع الضمير ضميرا . قوله : ( فكلام إلخ ) إنما جعله كلاما واحدا لأن قوله : ( وما كادوا يفعلون ) حال من فاعلفَذَبَحُوهافيكون المجموع جملة واحدة . قوله : ( كل واحد منهما إلخ ) أي ولا تناقض بين انتفاء الشئ في وقت وثبوته في وقت آخر .
هامش
( 252 ) - البيت من الطويل ، وهو لذي الرمة في ديوانه ص 1192 . وخزانة الأدب 9 / 309 ) - 312 ، وشرح المفصل 7 / 124 ، ولسان العرب 6 / 97 ( رسس ) .