انتفى ذلك بنعمة ربك ، فإن لم يكن شئ من هذه الأربعة موجودا في اللفظ قدر الكون المطلق متعلقا كما تقدم في الخبر والصلة . ويستثنى من ذلك خمسة أحرف . الأول : الزائد كالباء ومن في نحو :
كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
[ الرعد : 43 ]
هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ
[ فاطر : 3 ] . الثاني : لعل في لغة عقيل لأنها بمنزلة الزائد ألا ترى أن مجرورها في موضع رفع بالابتداء بدليل ارتفاع ما بعدها على الخبرية . الثالث : لولا فيمن قال لولاى ولولاك ولولاه على قول سيبويه أن لولا جارة فإنها أيضا بمنزلة لعل في أن ما بعدها مرفوع المحل بالابتداء . الرابع : رب في نحو رب رجل صالح لقيت أو لقيته ، لأن مجرورها مفعول في الأول ومبتدأ في الثاني أو مفعول أيضا على حد زيدا ضربته . ويقدر الناصب بعد المجرور لا قبل الجار لأن رب لها الصدر من بين حروف الجر وإنما دخلت في المثالين لإفادة التكثير أو التقليل لا لتعدية عامل . هذا قول الرماني وابن طاهر . وقال الجمهور : هي فيهما حرف جر معد ، فإن قالوا إنها عدت الفعل المذكور فخطأ لأنه يتعدى بنفسه ولاستيفائه مفعوله في المثال الثاني . وإن قالوا : عدت محذوفا تقديره حصل أو نحوه ففيه تقدير ما لا حاجة إليه ولم يلفظ به في وقت . الخامس : حرف الاستثناء وهو خلا وعدا وحاشا إذا خفضن لما سبق في باب الاستثناء ، واللّه تعالى أعلم .
شرح
قوله : ( الأول الزائد ) لأنه إنما أتى به للتأكيد لا لربط الفعل بالمفعول لعدم احتياجه إليه في الربط .
نعم استثنى من الزائد اللام المقوية فإنه لا مانع من تعليقها بالعامل المقوى لأن زيادتها ليست محضة كما مر عن ابن هشام . قوله : ( بدليل ارتفاع ما بعدها ) أي بعد مجرورها ولو قال ما بعده أي بعد المجرور لكان أوضح . قوله : ( لأن مجرورها مفعول ) أي مفعول فعل يتعدى إليه بنفسه من غير احتياج إلى توسط الحرف وإلا فالمجرور بحرف يتعلق مفعول في المعنى فلا يتم التعليل أفاده سم . قوله : ( لا قبل الجار إلخ ) أي ولا بين الجار والمجرور لأن الفعل لا يقع بعد رب إلا مكفوفة بما كما مر . قوله : ( لأن رب لها الصدر ) أي صدر جملتها فلا ينافي جواز نحو زيد رب شجاع يغلبه كما أفاده الدمامينى . قوله :
( وإنما دخلت إلخ ) دفع لما يوهمه كون مجرورها مفعولا من أنها معدية . قوله : ( فإن قالوا إلخ ) وأيضا فلو كان كما يقولون لم يعطف على محل مجرورها رفعا ونصبا في الفصيح ، وقد جاء العطف تقول رب رجل وأخاه أكرمت ، فيجعلون لها حكم الزائد في الإعراب وإن لم تكن زائدة ، ولا يجوز في الفصيح بزيد وأخاه مررت . دمامينى .
قوله : ( فخطأ لأنه يتعدى بنفسه ) وأجاب سم بأن تعدى الفعل بنفسه لا يمنع تعديته بحرف الجر إذا قصد معنى لا يحصل بدون تعديه بذلك الحرف كما هنا ، فإنه لو عدى بنفسه لفات معنى التقليل والتكثير ، ونظيره أخذت من الدراهم فقد عدى الفعل بمن لإفادة التبعيض وإن كان متعديا بنفسه ، على أن من الأفعال ما يتعدى تارة بنفسه وتارة بحرف الجر نحو نصح وشكر . قوله : ( ولاستيفائه مفعوله في المثال الثاني ) أجاب سم بأن ذلك لا يمنع كونه معمولا لمثله كما في زيدا ضربته .