ربما لهذا قالت الآية :
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ
« 1 » ، حيث أشارت إلى ما تقدّم ب « هذا » مع كونه جمعاً ومؤنثاً ، لتبيّن أنّ النظام الحاكم على هذا العالم واحد .
والحاصل « أنّ الله سبحانه هو الذي خلق كلّ شيء فقدّره تقديراً ، وهداه إلى ما يسعده ، ولم يخلق العالم سدىً ، ولا شيئاً من أجزائه ومنها الإنسان لعباً ، بل إنّما خلق ما خلق ليتقرّب منه ويرجع إليه ، وهيأ له منزل سعادة يندفع إليه بحسب فطرته بإذن الله تعالى ، وجعل له سبيلًا ينتهي إلى سعادته ، فإذا سلك سبيله الفطري فهو ، وإلّا فإذا اختلّ أمر بعض
أجزائه ، وخاصة الأجزاء الشريفة ، وضعف أثره وانحرف عن مستقيم صراطه ، بان أثر فساده في غيره ، وانعكس ذلك منه إلى نفسه في الآثار التي يرسلها ذلك الغير إليه ، وهي آثار غير ملائمة لحال هذا الجزء المنحرف ، وهي المحنة والبلية التي يقاسيها هذا السبب من ناحية سائر الأسباب .
فإن استقام بنفسه أو بإعانة من غيره ، عاد إليه رفاه حاله السابق ، ولو استمرّ على انحرافه واعوجاجه ، وأدام فساد حاله ، دامت له المحنة ، حتى إذا طغى وتجاوز حدّه انتهضت عليه سائر الأسباب ، وهاجت بقواها التي أودعها الله سبحانه فيها ، لحفظ وجوداتها ، فحطّمته ودكّته ومحته بغتةً وهو لا يشعر .
هامش
( 1 ) آل عمران : 191 .