وإنّ للذكر لأهلًا أخذوه من الدنيا بدلًا ، فلم تشغلهم تجارة ولا بيع عنه ، يقطعون به أيّام الحياة ، ويهتفون بالزواجر عن محارم اللهفي أسماع الغافلين ، ويأمرون بالقسط ، ويأتمرون به ، وينهون عن المنكر ويتناهون عنه ، فكأنّما قطعوا الدنيا إلى الآخرة وهم فيها ، فشاهدوا ما وراء ذلك ، فكأنّما اطّلعوا غيوب أهل البرزخ في طول الإقامة فيه ، وحقّقت القيامة عليهم عِداتها ، فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا ، حتّى
كأنّهم يرون ما لا يرى الناس ، ويسمعون ما لا يسمعون » « 1 »
. هذه هي الخصوصية الأولى لأهل التقوى في الدنيا ، وهناك آيات كثيرة في القرآن نطقت بهذه الحقيقة ، يمكن الرجوع إليها في مظانّها .
الفرقان بين الحقّ والباطل
قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً
« 2 » . قالالراغب في المفردات : « فرقت بين الشيئين فصلت بينهما ، سواء كان ذلك بفصل يدركه البصر ، أو بفصل تدركه البصيرة . والفرقان أبلغ من الفرق ، لأنّه يستعمل في الفرق بين الحقّ والباطل » « 3 » .
« وهو في الآية بقرينة السياق وتفريعه على التقوى : الفرقان بين الحق والباطل ،
سواء كان ذلك في الاعتقاد ( بالتفرقة بين الإيمان والكفر ، وكلّ
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، الخطبة : 222 .
( 2 ) الأنفال : 29 .
( 3 ) المفردات في غريب القرآن ، الراغب الإصفهاني : مادة « فَرَق » .