وعين البصيرة هي التي يصيبها العمى من خلال المعصية ، قال تعالى :
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
« 1 » .
وقال أيضاً :
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
« 2 » .
فتحصّل ممّا تقدّم أنّ من شملته العناية الإلهية وأيّدته بروح منه ، وجعلت له نوراً يمشي به في الناس ، فإنّه يرى ما لا يراه الناس ، ويسمع ما لا يسمعونه ، ويعقل ما
لا يعقلونه ويريد ما لا يريدونه . قال إمام المتّقين وسيّد العارفين علي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عند تلاوته لقوله تعالى :
يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
« 3 » :
« إنّ الله عزّوجلّ جعل الذكر جلاءً للقلوب ، تسمع به بعد الوقرة ، وتبصر به بعد العشوة ، وتنقاد به بعد المعاندة ، وما برح لله عزت آلاؤه في البرهة بعد البرهة ، وفي أزمان الفترات ، عباد ناجاهم في فكرهم ، وكلّمهم في ذات عقولهم ، فاستصبحوا بنور يقظة في الأبصار والأسماع والأفئدة ، يذكّرون بأيّام الله ، ويخوّفون مقامه ، بمنزلة الأدلّة في الفلوات ، مَن أخذ القصد حمدوا إليه طريقه ، وبشّروه بالنجاة ، ومن أخذ يميناً وشمالًا ذمّوا إليه الطريق ، وحذّروه من الهلكة ، وكانوا كذلك مصابيح تلك الظلمات وأدلّة تلك الشبهات .
هامش
( 1 ) المطففين : 14 .
( 2 ) الحج : 46 .
( 3 ) النور : 36 ، 37 .