وهذا العلم والقدرة الحاصلان له بالتقوى ، يمهِّدان له أن يرى الأشياء على ما هي عليها ، فيقسّمها إلى قسمين : حقّ باق وباطل فان ، فيعرض بقلبه عن الباطل الفاني الذي هو الحياة الدنيا ، بزخارفها الغارّة الفتّانة ، ويعتزّ بعزّة الله ، فلا يستذله الشيطان بوساوسه ، ولا النفس بأهوائها وهوساتها ، ولا الدنيا بزهرتها ، لما يشاهد من بطلان أمتعتها وفناء نعمتها .
ويتعلّق قلبه بربّه الذي هو يحقّ كلّ حقّ بكلماته ، فلا يريد إلّا وجهه ، ولا يحب إلّا قربه ، ولا يخاف إلّا سخطه وبُعده ، يرى لنفسه حياة طاهرة دائمة مخلّدة ، لا يدبّر أمرها إلّا ربّه الغفور الودود ، ولا يواجهها في طول مسيرها إلّا الحسن الجميل ، فقد أحسن كلّ شيء خلقه ، ولا قبيح إلّا ما
قبّحه الله من معصيته .
فهذه آثار حيوية لا تترتّب إلّا على حياة حقيقية غير مجازية ، وقد رتّبها الله سبحانه على هذه الحياة التي يذكرها ويخصّها بالذين آمنوا وعملوا الصالحات ، فهي حياة حقيقية جديدة ، يفيضها الله سبحانه عليهم . وليست هذه الحقيقة الجديدة المختصّة ، بمنفصلة عن الحياة القديمة المشتركة ، وإن كانت غيرها ، فإنّما الاختلاف بالمراتب لا بالعدد ، فلا يتعدّد بها الإنسان ، كما أنّ الروح القدسية التي يذكرها الله سبحانه للأنبياء ، لا توجب لهم إلّا ارتفاع الدرجة ، دون تعدّد الشخصية » « 1 » .
وهذه هي الروح التي أشارت إليها آية سورة المجادلة حيث قال
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، ج 12 ص 341 .