تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التقوى في القرآن — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
الأوصاف الكلّية . ومن هذا البيان يظهر أنّا لو شاهدنا عين زيد مثلًا في الخارج ، ووجدناه بعينه بوجه شهوداً فهو المعروف الذي ميّزناه حقيقة عن غيره من الأشياء ، ووحّدناه واقعاً من غير أن يشتبه بغيره . ثمّ إذا عرفنا صفاته واحدة بعد أُخرى ، استكملنا معرفته والعلم بأحواله . وأمّا إذا لم نجده عياناً وشهوداً ، وتوسّلنا إلى معرفته بالصفات ، لم نعرف منه إلّا أموراً كلّية ، لا توجب له تميّزاً عن غيره ، كما لو لم نر زيداً بعينه وإنّما عرفناه بأنّه إنسان أبيض اللون طويل القامة حسن المحاضرة ، بقي على الاشتراك مع غيره ، حتى نجده بعينه ثمّ نطبّق عليه ما نعرفه من صفاته ، وهذا معنى قوله ( عليه السلام ) : « إنّ معرفة عين الشاهد قبل صفته ومعرفة صفة الغائب قبل عينه » . ومن هنا يتبيّن أيضاً أنّ توحيد الله سبحانه حقّ توحيده ، أن يعرف بعينه أوّلًا ، ثمّ تعرف صفاته لتكميل الإيمان به ، لا أن يعرف بصفاته وأفعاله ، فلا يستوفى حقّ توحيده . وهو تعالى الغني عن كلّ شيء ، القائم به كلّ شيء ، فصفاته قائمة به ، وجميع الأشياء من بركات صفاته ، من حياة وعلم وقدرة ومن خلق ورزق وإحياء وتقدير وهداية وتوفيق ونحو ذلك ، فالجميع قائم به ، مملوك له ، محتاج إليه من كلّ جهة . فالسبيل الحقّ في المعرفة أن يعرف هو أوّلًا ، ثمّ تعرف صفاته ، ثمّ يعرف بها ما يعرف من خلقه لا بالعكس . ولو عرفناه بغيره ، فلم نعرفه بالحقيقة ، ولو عرفنا شيئاً من خلقه لا به ، بل بغيره فذلك المعروف الذي