الوجه الثاني : وهو معنى أدقّ مستخرج من
نتائج الأبحاث الحقيقية في علم النفس ، وهو أنّ النظر في الآيات الآفاقية والمعرفة الحاصلة من ذلك ، نظر فكري وعلم حصولي بخلاف النظر في النفس وقواها وأطوار وجودها والمعرفة المتجلّية منها ، فإنه نظر شهودي وعلم حضوري ، والتصديق الفكري يحتاج في تحقّقه إلى نظم الأقيسة واستعمال البرهان ، وهو باق ما دام الانسان متوجهاً إلى مقدماته ، غير ذاهل عنها ولا مشتغل بغيرها ، ولذلك يزول العلم بزوال الإشراف على دليله ، وتكثر فيه الشبهات ويثور فيه الاختلاف .
وهذا بخلاف العلم النفساني بالنفس وقواها وأطوار وجودها ، فإنّه من العيان ، فإذا اشتغل الإنسان بالنظر إلى آيات نفسه ، وشاهد فقرها إلى ربّها ، وحاجتها في جميع أطوار وجودها ، وجد أمراً عجيباً ، وجد نفسه متعلّقة بالعظمة والكبرياء ، متصلة في وجودها وحياتها وعلمها وقدرتها وسمعها وبصرها وإرادتها وحبّها وسائر صفاتها وأفعالها ، بما لا
يتناهى بهاءً وسناءً وجمالًا وجلالًا وكمالًا من الوجود والحياة والعلم والقدرة وغيرها من كلّ كمال » « 1 » .
وذلك لأنّ البرهان العقلي قائم على أنّ المعلول وكلّ شأن من شؤونه هو عين الفقر والحاجة إلى علّته ، فإذا وقف الإنسان على هذه الحقيقة عياناً وشهوداً ، فإنّه لا يمكنه إلّا أن يقف على خالقه وقيومه وهو الحق تعالى ،
هامش
( 1 ) الميزان ، مصدر سابق ، ج 6 ص 170 .