قلبه إلّا لوجهه ، فإنّ هذا العبد لا يعثر بشيء ، ولا يقف على شيء وعنده شيء من الجمال والحسن إلّا وجد أنّ ما عنده أنموذج يحكي ما عنده ( تعالى ) من كمال لا ينفد وجمال لا يتناهى وحسن لا يُحدّ ، فله الحسن والجمال والكمال والبهاء ، وكلّ ما كان لغيره فهو له ، لأنّ كلّ ما سواه آية له ، ليس له إلّا ذلك ، والآية لا نفسية لها ، وإنّما هي حكاية تحكي صاحبها ، وهذا العبد قد استولى سلطان الحبّ على قلبه ولا يزال يستولي . ولا ينظر إلى شيء إلّا لأنّه آية من آيات ربّه ، وبالجملة فينقطع حبّه عن كلّ شيء إلا ربّه ، فلا يحبّ شيئاً إلّا الله سبحانه وفي الله سبحانه .
حينئذ يتبدّل إدراكه وعلمه ، فلا يرى شيئاً إلّا ويرى الله سبحانه قبله ومعه ، وتسقط الأشياء عنده من حيّز الاستقلال ، فما عنده من صور العلم والإدراك غير ما عند الناس ، لأنّهم إنّما ينظرون إلى كلّ
شيء من وراء حجاب الاستقلال بخلافه ، هذا من جهة العلم .
كذلك الأمر من جهة العمل ، فإنّه إذا كان لا يحبّ إلّا الله ، فلا يريد شيئاً إلّا لله وابتغاء وجهه الكريم ، ولا يطلب ولا يقصد ولا يرجو ولا يخاف ولا يختار ولا يترك ولا ييأس ولا يستوحش ولا يرضى ولا يسخط إلّا لله وفي الله ، فيختلف أغراضه مع ما للناس من الأغراض ، وتتبدّل غاية أفعاله ، فإنّه قد كان إلى هذا الحين يختار الفعل ويقصد الكمال لأنّه فضيلة إنسانية ، ويحذر الفعل أو الخلق لأنّه رذيلة إنسانية .
أمّا الآن فإنّما يريد وجه ربّه ولا همّ له في فضيلة ولا رذيلة ، ولا شغل له
التقوى في القرآن — صفحة 141
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٤١