أنواع النقص والحاجة تدلّ على غناه المطلق ، وتسبّح وتنزّه ساحة القدس والكبرياء ، كما قال تعالى :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
« 1 » .
فهؤلاء يسلكون في معرفة الأشياء من طريق هداهم إليه ربّهم وعرّفها لهم ، وهو أنّها آيات له وعلامات لصفات جماله وجلاله ، وليس لها من النفسية والأصالة والاستقلال إلا أنّها كمرائي تجلّي بحسنها ما وراءها من الحسن غير المتناهي ، وبفقرها وحاجتها ما أحاط بها من الغنى المطلق ،
وبذلّتها واستكانتها ما فوقها من العزّة والكبرياء ، ولا يلبث الناظر إلى الكون بهذه النظرة ، دون أن تنجذب نفسه إلى ساحة العزّة والفطرة ، ويغشى قلبه من المحبّه الإلهية ما ينسيه نفسه وكلّ شيء ، ويمحو رسم الأهواء والأميال النفسانيةعن باطنه ، ويبدّل فؤاده قلباً سليماً ليس فيه إلّا الله عزّ اسمه « 2 » .
يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
« 3 » ، في الكافي بإسناده عن سفيان بن عيينة قال : سألته عن قول الله عزّوجلّ :
إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
قال : السليم الذي يلقى ربّه وليس فيه أحد سواه » « 4 » .
وعلى هذا الأساس فكلّما ازداد الإنسان معرفة ازداد إيماناً ، وكلّما ازداد إيماناً ازدادت نفسه انجذاباً ، فيأخذ الحبّ في
الاشتداد « ولا يزال يشتدّ هذا الحبّ ثمّ يشتدّ حتى ينقطع إليه من كلّ شيء ، ولا يحبّ إلّا ربه ، ولا يخضع
هامش
( 1 ) الإسراء : 44 .
( 2 ) الميزان ، مصدر سابق ، ج 11 ص 159 .
( 3 ) الشعراء : 89 .
( 4 ) الميزان ، مصدر سابق ، ج 15 ص 292 .